الولايات المتحدة ضد الصين: دعاية كاذبة واستثمار في الإرهاب

منذ أن أعلنت الولايات المتحدة الأميركية قبلَ سنوات عديدة عزمَها على التوجه إلى آسيا، حتى بدأت حملتُها الإعلامية -يشاركها في ذلك الغرب- عملها الدؤوب ضد الجمهورية الشيوعية، وهكذا فقد بدأت رائحةُ الاستثمار السياسي تفوح من الحملة الموجَّهة ضد الصين، وأبرز عناصر هذه الحملة التي تركز على الشؤون الصينية الداخلية:

الصراعات في بحر الصين الجنوبي، الخلاف مع تايوان، التظاهرات في هونغ كونغ التي نالت حصة وفيرةً من التغطية الإعلامية المستفيضة والبث المباشر لأيام متواصلة، واليوم قضية الإيغور، أو مسألة إقليم شينغيانغ.

إن هذا التركيز جعل الصين مادةً يوميةً على القنوات التلفزيونية، وفي الصحف والمواقع الإلكترونية الأميركية والغربية من أجل انتقاد سياسات الصين الداخلية والخارجية، ولتوجيه الرأي العام المحلي والعالمي نحو قضايا بعينها دون غيرها، إذ يختار القائمونَ على وسائل الإعلام موضوعاتٍ محددةً للتركيز عليها بشدة والتحكم بطبيعتها ومحتواها، والقضية التي تشغل اليوم مساحة واسعة من الإعلام والسياسة هي قضية المسلمين الإيغور في إقليم شينغيانغ، فهي قوامُ الحملة الإعلامية الأميركية والغربية الشرسة التي تصل إلى حد الدعوة إلى مقاطعة الصين وكراهيتها، زاعمةً أنها تقمع المسلمين الإيغور وتضطهدهم.

ولا يُستغرب لجوءُ الدول الغربية إلى هذا الأسلوب بغية ثني الصين عن تقدمها وتطورها، فهي ليست المرةَ الأولى التي تستغل فيها قضيةَ مسلمي الإيغور للضغط على الصين كي تغير مواقفها إزاء قضية معينة، أو لإلهائها بمشاكل داخلية مثل محاولة زعزعة الاستقرار في هونغ كونغ.

ولعلّ ما حدثَ عام 1979 يوضح هذا الأسلوب، حين استثمرت الولايات المتحدة في الحركات المتطرفة الإسلاميةِ ودعمتها وموّلتها لمحاربة الاتحاد السوفييتي عند احتلاله أفغانستان، وهو المسار نفسه الذي سلكَته في مرحلة ما سُمّي بـ”الربيع العربي” عندما دعمت أميركا هذه الحركاتِ من أجل إسقاط الأنظمة العربية التي لم تعمل تحت جناحها، فسارعت إلى تجميع الأفراد من عدد كبير من الدول الأوروبية والآسيوية وحتى الإفريقية، ووظّفتهم لخدمة مشروعها في سوريا وليبيا والصومال واليمن، حتى العراق الذي عانى منها سلفاً لم يسلم من شرها؛ إذ عمدت أميركا إلى زرع الفتنة السنية الشيعية فيه بعد أن دمرت بنية الدولة عام 2003، ومن هذه الفتنة توسعت نحو المنطقة بأكملها.

إذن، من المؤكد أن أميركا ستتبع السلوك نفسَه لمعاقبة الصين والحد من تقدمها وازدهارها اللذين يهددان التفوقَ الأميركي، وأفضل وسيلة لتحقيق ذلك استخدام ورقة الإيغور في إقليم شينغيانغ، وادعاؤها مناصرةَ حقوقهم، والدفاع عنهم، وذلك عبر قيادة حملة إعلامية شعواء -يشاركها فيها الإعلام الغربي في أوروبا وبريطانيا- تشهّر بجمهورية الصين الشعبية، وتتّهمها بالتمييز العنصري، ومحاربة الأقليات، في الوقت نفسه الذي تدمر فيه الدولَ الإسلامية في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال ولبنان، وتغضّ الطرفَ عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، وتهجير المقدسيين، والاستيلاء على بيوتهم وتفجيرها حتى أو تدميرها، كلّ ذلك لم يُثر حميّة الغرب للتعاطف مع مسلمي فلسطين، وإنما يدعي أنه يناصر المسلمين في الصين على خلفية خطاب طائفي تحريضي متناسياً أن المسلمين في الصين لديهم الحريةُ الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية، وفي بناء المساجد ودور العبادة، لكن من حق الصين أيضاً أن تحمي نفسها من المنظمات الإرهابية التي غذّتها أميركا كالقاعدة وداعش وغيرهما، ولعلّ أبرز هذه المنظمات التي سطع نجمها في السنوات العشر الأخيرة: ما سمّي بحركة شرق تركستان الإسلامية التي ينضوي فيها إيغوريون، بدعوتها المستميتة إلى إنشاء دولة إسلامية مستقلة في شينغيانغ أو “تركستان الشرقية” كما يسميها هؤلاء، وقد سبق لهذه الحركة أن بايعَت تنظيمَ القاعدة وحركة طالبان ليتم تصنيفها من قبل الأمم المتحدة عام 2002 بكونها منظمة إرهابية، إذ إنها مارست أعمالاً إرهابية في كثير من المناطق الصينية بعدد يفوق ال200 عملية إرهابية منذ عام 1990 حتى 2014.

 

 

أعمال إرهابية أخرى للإيغور:

بدأت طلائع من الجهاديين الإيغور تصل إلى سوريا في أواخر عام 2012 وتنضم إلى تنظيم داعش وجبهة النصرة، وبعد ذلك أسس الإيغور الحزبَ الإسلامي التركستاني عام 2014، وفي عام 2017 وجهوا عبر شريط فيديو بعنوان “أولئك هم الصادقون” تهديداً إلى الصين بـ”سفك الدماء كالأنهار”، كل ذلك يفتح الأبواب مشرعةً على مصراعيها للسؤال الآتي:

هل ستقف الصين مكتوفةَ الأيدي بانتظار أن يعود الإيغور من سوريا إلى الصين لتنفيذ هجمات إرهابية ونشر التطرف في إقليم شينغيانغ؟

لقد أصبحت الصين بالفعل هدفاً في بلدان أخرى؛ إذ هوجمت قنصليتها في باكستان وخُطفَ مسؤولون حكوميون، ورجال أعمال بارزون، وغيرهم من المواطنين الصينيين من أجل الحصول على فدية.

كذلك كان المواطنون الصينيون ضحايا لأعمال إرهابية أخرى في إفريقيا حيث هاجمت جماعات مرتبطة بداعش والقاعدة أهدافاً سهلة وضعيفة من بينها فنادق.

كل هذه الأعمال الإرهابية تعرضت لها الصين بمصالحها ومواطنيها في أنحاء متفرقة من العالم دون أن يترافق ذلك مع تغطية إعلامية كافية، بل على العكس فقد كان هناك تعتيم إعلامي مقصود ومنهجي وخطير.