هل يشكل القرار الأمريكي بالانسحاب من أفغانستان نقطة قوة لجمهورية الصين الشعبية

دافع الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن عن القرار الأمريكي بالانسحاب التام من الأراضي الأفغانية مؤكدا على أن الولايات المتحدة دائما ما تعمد إلى اتخاذ القرارات الفاصلة في الأوقات الحاسمة. صحيح أنه قد يبدو للبعض أن قرار الانسحاب المنتظر منذ أمد بعيد يشكل نصرا لدولة أفغانستان من حيث التخلص من ربقة الاستعمار، ولكن المذهل في الأمر هو أن هذا الانسحاب قد أزاح الستار عن خطر أكبر متمثل في تنامي القوة والنفوذ لدى جماعة طالبان المسلحة، مما أثار التساؤلات عن مدى جدوى العشرين سنة الماضية التي قضتها الجيوش الأمريكية فوق أراضي أفغانستان، فكيف للقوة العظمى الأولى في العالم أن تعجز عن القضاء على مجموعة من المسلحين ذات الجيوش غير النظامية والقوة المحدودة نسبيا!

وصف رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير القرار الأمريكي بأنه قرار مأساوي وشديد الخطورة، معربا عن أسفه من انهيار الجهود والمساعي الدولية لدى الولايات المتحدة وحلفائها والتي بدأت منذ عام 2001 في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عندما تم الإعلان عن “الحرب على الإرهاب” وتساءل بلير عن الأهداف المرجوة التي تم الخروج بها من هذه الحرب على مدار السنوات الماضية في ظل ما يراه العالم الآن من تراجع للسيادة الأمريكية على حد قوله. مؤكدا على غياب التنسيق بين أمريكا وحلفائها والتسييس الواضح لمختلف القضايا الدولية يؤدي بالضرورة إلى إضعاف قوة وموقف الولايات المتحدة أمام العالم.

وقد جاءت تصريحات بلير مزيلة بمجموعة من التوصيات التي تتمحور حول فكرة ضرورة ممارسة الولايات المتحدة لمزيد من الضغوط تجاه طالبان والقيام بإعداد قائمة تشمل مجموعة العقوبات في حالة قيام الجماعة المسلحة بالحيد عن التزاماتها وتعهداتها أمام الولايات المتحدة واتخاذ خطوات مناهضة للمدنيين في أفغانستان. 

أمريكا تستهدف التركيز على منافسها الصيني

ثمة فريق من المحللين السياسيين يرون أن القرار الأمريكي يصب في الأساس في مصلحة الصين، فهناك من تحدث عن سنوات من هدر الأموال والدماء الأمريكية فوق الأراضي الأفغانية واصفا النهج الأمريكي المستند إلى سياسة فرض النفوذ والتدخل السافر في شؤون الدول الأخرى بـ النهج الخاطئ. وفي الوقت ذاته يرى هؤلاء أن هناك فرصة عظيمة أمام الصين وراء القرار الأمريكي، فمن المتعارف عليه أن سياسة الصين الخارجية تقوم في الأساس على إقامة الشراكات الاستراتيجية مع الدول الأخرى وتعزيز سبل التعاون الدولي والبعد كل البعد عن التدخل في الشؤون الداخلية لكل دولة، الأمر الذي ساعد على تنامي النفوذ الصيني في عديد من مناطق العالم خلال الآونة الأخيرة لتصبح ثان أكبر قوة اقتصادية عالمية، بمعنى أن جمهورية الصين الشعبية استطاعت أن تحظى بقدر عال من الثقة لدى دول عدة في غضون سنوات قليلة وتكتسب من وراء ذلك مكانة دولية كبرى على الساحة العالمية بل وصل الأمر إلى أن أصبحت الصين لاعبا دوليا وشريكا أساسيا في مختلف القضايا ذات الطابع العالمي ولعل أبرزها الجهود الدولية لمواجهة فيروس كورونا.

وفي ظل التراجع الحاد للشعبية والمصداقية الأمريكية بعد الإعلان عن الانسحاب من الأراضي الأفغانية، تتجه أنظار العالم أكثر وأكثر نحو القوة الصينية، الأمر الذي دفع بعض السياسيين إلى تأييد وجهة النظر الأمريكية والتي اعتبرها البعض رغبة خالصة من الإدارة الأمريكية الجديدة في تحرير واشنطن من حروب عبثية في مناطق متفرق من العالم لم تجلب عليها سوى استنزاف القوة والأموال الأمريكية على مدار سنوات طويلة، ومن ثم بايدن يرغب في تصفية الملفات الشائكة العالقة كي يتمكن من مواجهة المنافس الأخطر والمتمثل في النفوذ الصيني المتسع شرقا وغربا، والتركيز على زيادة العتاد الأمريكي في المناطق الحساسة في آسيا وبخاصة بحر الصين الجنوبي، وإقامة المزيد من التحالفات العسكرية والاقتصادية بهدف تقويض الوجود الصيني.

الموقف الصيني من القرار الأمريكي

قال شياو يونغ المبعوث الخاص لشؤون أفغانستان بوزارة الخارجية الصينية في حديث له مع تليفزيون الصين المركزي CCTV أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المسؤول الأول عن حالة الفوضى والعنف في أفغانستان مشيرا إلى خطورة انتقال هذه الحالة إلى دول أخرى في العالم وبخاصة أن كل من الصين وأفغانستان تتشاركان الحدود بطول 90 كم مما يعد مصدرا للقلق والخطر. وحمل يونغ الولايات المتحدة الأمريكية المسؤولية كاملة عن أية احتمالات ممكنة لتمدد إرهاب طالبان ليطال بقاع أخرى في العالم بوجه عام.

وتتمثل وجهة النظر الصينية إزاء القرار الأمريكي بالانسحاب من الأراضي الأفغانية بأن مكوث القوات الأمريكية لمدة 20 عام ثم انسحابها على نحو متهور هكذا سيتسبب في خلق حالة من التدهور الأمني في البلاد، ولعل مسألة وصول طالبان إلى مقاليد الحكم تكشف عن الفشل الأمريكي الذريع للولايات المتحدة الأمريكية على كافة الأصعدة السياسية والعسكرية والمخططات الاستراتيجية. ومن ناحية أخرى فإن الإخفاق الأمريكي في إدارة الملفات الدولية وعدم استفادة أمريكا من الأخطاء المتكررة على مر التاريخ يؤكد على انهيار الشعارات الزائفة التي يرددها العالم دون جدوى كالحديث عن القوة العظمى والحرب على الإرهاب وغيرها من المسميات التي أسقطت العديد من الأقعنة وأزاحت الستار عن خبايا النوايا الأمريكية المتمثلة في فرض السطوة والنفوذ لا أكثر. هذا في الوقت الذي تستمر فيه الجهود والمساعي الصينية في إعلاء مكانة الصين عالميا عبر السبل السلمية ومسارات التعاون الدولي والشراكات الاستراتيجية.