نظام الولايات المتحدة… قصور في الرمال

نظامٌ ظلّ يتشدّق بالديمقراطية طوال عشرين عاماً منفقاً تريليونات الدولارات يثبتُ فشله الذريع في كلٍّ من العراق وأفغانستان.

بلدٌ يملك إمكانياتٍ هائلةً تخوّله فِعلَ ما يريد وفرضَ القانون الذي يريده، لكنه ينهار دون أن يردعه عن ذلك أيّ أساس يسبغ عليه صفة نظام سياسيّ مستقر.

 

كيف حصل ذلك؟ هل كان كل ذلك مقصوداً، أم أنها مجرد حماقة مؤسساتيّةٍ وتخبطٍ وفوضى في الأجهزة رغم مقدراتها الهائلة؟

 

أفغانستان، ومن بعدها العراق:

المصير ذاتُه الذي رسمَه الغزو الأميركي بدايةً، ثم رسمه انسحابُه مرة أخرى؛ فالولاياتُ المتحدةُ لم تنجح في البلدين في التأسيس لنظام صالح للبقاء، وإنما الفساد السياسي والانحطاطُ القانوني والفشل الاقتصادي والتفسخ الاجتماعي هي ما آلت إليه الدولتان.

 

والتساؤلات التي تطرح نفسَها في هذا السياق هي:

هل هذه النتيجة تعدُّ منطقيةً بالنسبة إلى دولةٍ تمتلكُ من الخبراتِ والمعارف ومؤسساتِ البحث ما لا تمتلكه دولة أخرى؟

هل يعقل أن تتحول محيطاتُ الأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة على مشاريعها “الديمقراطية” إلى قصور في الرمال بهذه البساطة؟

 

هل من المفروضِ أن نصدقَ أنّ أميركا ومؤسساتِها -من كونغرس وغيرها- لا تعلم ما هي الأسس المطلوبة لبناء نظام سياسي مستقر ومؤسساتٍ تحترم نفسَها في البلد الذي تغزوه؟

 

لربما يدّعي أحدهم أنّ العلل في الدول التي غزتها أميركا، أي كما يقول المثَل: “دود الخل منه وفيه”، لكنّ بالنظر إلى العشرين عاماً للغزو الأميركي في كل من العراق وأفغانستان نستنتج أنه حتى لو كانت هناك مئة علّة، فليس من المنطقيّ أن تمضي كلُّ تلك السنوات دون أن تتوصلَ أميركا إلى معرفة كيفيّة إقامة جهازٍ قضائي محترَم، أو نظام انتخابي نزيه، أو مؤسسة سياسية لا تمارس أعمال النهب والفساد.

 

إذن، هل كل ذلك مقصود؟ وإن كانتِ الولاياتُ المتحدةُ تعرف كيفيةَ تنفيذ ما سبق ذكره فلماذا جاءت إجراءاتها على النحو المعاكس لِما تعرفه؟ هل أرادت أن تظلّ العراق وأفغانستان دولتين فاشلتين غارقتين في وحل الانحطاطِ السياسي والانهيارِ الاقتصادي حتى الأذنين؟

 

إنه لشيءٌ محيِّر فعلاً، إذ يحتار العقلُ البشري في تفسير ذهابِ أميركا بكل عدّتها وعتادها ودولاراتها إلى مكان تعجز فيه عن تحريك القشّةِ من مكانها ليكون الفساد هو العنوانُ العريض للعلاقة بين “الدولة” والمجتمع، وذلك في عجز صريح وغيرِ مفهوم في توجيه السياسيين من أجل أن يكفّوا أيديهم عن حقوقِ الناس، وفي جعلِ مجلس القُضاة السلطةَ العليا المستقلة، وفي حثّ أعضاء (هيئة مكافحة الفساد) على مكافحة الفساد وليس على ممارسته، وفي المحافظة على تجارة البلد الذي تريد أن تديره وحماية بنيته التحتيّة.

 

 

3 تريليون دولار:

إنه ليس بالرقم البسيط الذي تستطيع أميركا أن تجازف من خلاله في تجاربها السياسية والخارجية ومشاريعها الديمقراطية، فهل كان مخططاً لكل ذلك رغم كل شيء، رغم حياة آلاف من الجنود الأميركيين التي ذهبت سدى، إضافة إلى إعاقات دائمة وعشرات آلاف الجرحى؟ أم أنه مجرد كابوس تمارسه أميركا على نفسها وعلى الآخرين، لا يكاد ينتهي حتى تعود إلى الغرق فيه وسط كمّ هائل من الأعذار والحجج الواهية؟

 

 

لعلّ الإجابة الأقرب إلى الحقيقة هي أن “الحلم الأميركي” محضُ وهمٍ ليس إلا؛ بمعنى أنّ تصورَنا عن عظمَة الولايات المتحدة ومقدراتها هو “الحلم” بل الخرافة بحد ذاتها، لذا كان من الأجدر بها أن توجّه مؤسساتِها البحثيةَ ومختبراتِها لدراسة عللها وأخطائها واجتثاثِها قبل أن تتجه إلى تصحيح أخطاء غيرها من الدول، ولعلّ المفارقة المضحكة هي محاضراتُ باحثيها ومسؤوليها التي تنهالُ على رؤوس العالم عن الحقوق السياسية أو الأخلاقية أو الحقوقية، وسط إطباق جفونهم عمّا تفعله دولتهم -أي أميركا- بنفسها، لكن …مهلاً، أيعقل أن يكون ذلك التغاضي مقصوداً هو الآخر؟ وإن كان مقصوداً فما هو السبب الحقيقي لاتّباعها هذه السياسة التدميرية؟

 

“الإدارات الثلاث” التي ظلّت تتشدّق بها الولايات المتحدة طوال عشرين عاماً لم تعْدُ كونها هذياناً وحماقة، فما من عاقل سيرى أنّ ما فعلته أميركا بنفسها وبالعراق وأفغانستان يقارب المنطق مجرد مقاربة، الأمر الذي يجعلنا نقول إن كلاً من إدارتها والبنتاغون والكونغرس ليست إلا مؤسساتٍ تعاني فقراً معرفياً مروعاً، أو ربما هي تتعمّد صناعة الفشل لأسباب مجهولة رغم الهزائمِ التي تلحقُ بها واحدةً تلو الأخرى.