من الأقوى، النسر الأميركي أم التنين الصيني؟

بدأ الرأي الذي يتوقّعُ بشدة أفولَ قوة النسر الأميركي وصعودَ التنين الصيني يأخذ حيّزاً واسعاً في الدوائر الشعبية، وعادةً ما يلجأ متبنّو هذا الرأي إلى الاستعانة ببعض الأرقام والنسب الاقتصادية المبهرة للصين ليقيسوا عليها الهيمنةَ الصينية القادمة حتماً في سائر القطاعات تباعاً، لكن ما إن تمّت قراءةُ ملامح “التفوق” و”التألق” الاقتصاديين بتمعّن حتى ظهرت الصورة الحقيقية والمغايرة تماماً التي سنعمد إلى شرحها بالتفصيل في السطور اللاحقة:

 

إن أصحابَ فكرةِ التفوق الاقتصادي للصين يركزون على معدل الناتج القومي الذي يُظهر بوضوح شديد النموَّ الاقتصادي العظيم لها في آخر ثلاثين سنة بمعدل متوسط يتجاوز 8% في السنة الواحدة، الأمر الذي مكّنها من احتلال الاقتصاد الثاني في العالم متخطّيةً كلاً من ألمانيا واليابان على التوالي، ولكن مع ذلك فلا تزال هناك فجوة اقتصادية مهولة تظهر بين الولايات المتحدة الأميركية والصين حين المقارنة بين معدل دخل الفرد في البلدين؛ فبينما يتجاوز معدلُ دخل الفرد في أميركا الأربعين ألف دولار سنوياً، فإنه بالكاد يتجاوز الثلاثة آلاف دولار في الصين، وهذا يصنف الصينَ بكونها واحدة من الدول الفقيرة وفق تصنيف البنك الدولي.

 

وهنا لا بد من التفريق التام بين مفهومِ الدخل ومفهوم الثروة:

يُقاس الدخل عن طريق حساب الناتج المحلي؛ أي كميات السلع والخدماتِ التي تقدمها دولةٌ بعينها، أما مفهوم الثروة فهو مفهوم مختلف تماماً؛ لأنه يشمل المجموعَ الكليَّ للموارد وهذا معيار أوسع بكثير من مجرد الناتج الإجمالي.

 

إذن، هل هناك فرصة لتفوق الصين على الولايات المتحدة الأميركية من ناحية الثروة؟

 

في دراسة قامت بها جامعة تافتس المرموقة، بيّنَت أن أميركا تتفوق بثروتها على الصين بثلاثة أضعاف على أقل تقدير، مستندةً في ذلك إلى بيانات البنك الدولي والأمم المتحدة.

وجاء في تفصيل دراسة جامعة تافتس أن أحدَ أهمّ أسباب قوة ثروةِ أميركا هو بيئتها النقيّة وثرواتها المائية التي ربطَت كلّ ولاياتها بها في حين أن مناطقَ الشمالِ في الصين تعاني من مشاكل جمّة في هذا الخصوص.

أضف إلى ذلك أنّ أميركا تملك مواردَها الطبيعية الخاصة بها من النفط والغاز التي جعلتها تعتمد على نفسها، على عكس الصين التي لا تزال تعتمد على الفحم بنسبة 45% من احتياجاتها من الطاقة في حين أن الباقي من نفط وغاز تقوم باستيراده بشكل كامل.

 

أما بالنسبة إلى قوة الولايات المتحدة الزراعية والغذائية فهي تتمتع بنفوذ على المستويين المحلي والدولي، وهذه مسألة تغيب عنها الصين تماماً، ولا يمكن أيضاً إغفالُ قوة المنظومةِ التعليمية الجامعية في أميركا؛ فجامعاتها من أمثال هارفرد، وستانفورد وييل، وكولومبيا، ومعهد ماساتشوستس للتقنية وغيرها هي التي تقود قاطرةَ الأبحاث والتطوير لتجعل الاقتصاد الأميركي ذا ميزةٍ تنافسية وقيمة مضافة مقارنة مع نظيرتها في الصين.

والشركاتُ الأميركية أيضاً لها مكانة عالمية لا يُستهان بها؛ فتأثيرها على الاقتصاد العالمي قوي جداً، تدعمها في ذلك عملة الدولار بوصفها أهم أداة مالية في العالم وأكثرها هيمنةً وتأثيراً.

 

إذا اعتبرنا الولاياتِ المتحدةَ شركةً فلا يمكن الحكمُ على الشركة من خلال الحكمِ على رئيس مجلس إدارة الشركة، ولا سيما إذا كانت الجمعيةُ العمومية لهذه الشركة غيرَ موفَّقة في اختيار رؤساء مجالس إدارة ينجحون في قيادة الشركة ويلهمون العالمَ، طبعاً لا يلغي ذلك ما يشكّله الصعود المتسارع لقوةِ الصين من خطر وتحدٍّ وتهديد لاقتصاد الولايات المتحدة وحلفائها، وهذا أمر يدركونه بشكل كبير فهم يعلمون تماماً أنهم لا يملكون رفاهيةَ الاسترخاء والاطمئنان في مواجهة التنين الصيني.

 

 

“عندما تتصارع الفيلة، يموتُ الحشيش”:

هو مثَل هندي قديمٌ فيه من الحكمة ما يعبّر عن المعركة المحتدمة اليوم بين الولايات المتحدة والصين التي يشهدها العالم أجمع، فهي معركة تتجاوز السباق الاقتصاديَّ المحموم لتصبح معركةَ قيم ومبادئ بامتياز، يدعم هذا الرأيَ تعليقُ أحد المحللين السياسيين الذين ظهروا مؤخراً على إحدى الفضائيات للحديث عما يجري في أفغانستان، إذ قدم في رأيه ذاك مقارنةً مختلفةً بين الولايات المتحدة والصين حين قال: عندما نرى أرتالاً ضخمةً وطوابيرَ هائلةً من البشر تتسارع للحاق بسفارة الصين طلباً للهجرة إليها، فإنه يمكن القول إنّ  الصين تفوقت على أميركا بشتى المقاييس.