مرحلة جديدة في تاريخ العلاقات الصينية السورية

العلاقات المتبادلة بين كل من بكين ودمشق تتجاوز مرحلة التبادل التجاري والحوار السياسي إلى العمق الثقافي

لم يكن القرار الصيني بإنشاء معرض  للآثار الثقافية السورية القديمة في متحف  نانشان بمدينة شنتشن في مقاطعة قوانغدونغ جنوبي الصين سوى تأكيدا على عمق الروابط الوثيقة التي تجمع بين البلدين، فقد كانت سوريا من أوائل الدول في الوطن العربي التي تبادلت التمثيل الدبلوماسي مع الصين حتى أن السفير الصيني في دمشق فينغ بياو عبر في حديث سابق له عن طبيعة العلاقات المتبادلة بين كل من بكين ودمشق واصفا سوريا بـ “الصديق الوفي” على حد تعبيره. كما نشرت صحيفة “الوطن” السورية في أغسطس الماضي تقريرا مفصلا بمناسبة مرور 65 عام على بداية العلاقات بين البلدين فقد تأسست العلاقات الدبلوماسية بينهما في 1 أغسطس 1956 وأصبح لدولة الصين سفارة فوق الأراضي السورية ولـ دمشق سفارة على البر الصيني.

وبالعودة مجددا للحديث عن المعرض الذي أقامته الصين لاستعراض التراث التاريخي السوري، فقد شهد المعرض إقبالا كبيرا من راغبي التعرف على الحضارة السورية القديمة والتي شهدت تعاقب الكثير من الحضارات. وقد اشتمل المعرض على مجموعة كبيرة من القطع الأثرية التي تعود في الأصل إلى فترات تاريخية مختلفة منذ عصر ما قبل التاريخ مرورا بالعصر البرونزي، والآشوري، والفارسي، واليوناني، والروماني، وأخيرا الآثار التي تمثل العصر الإسلامي.

وتعليقا على هذا الحدث الضخم الذي يوثق مراحل فاصلة في تاريخ العلاقات بين الدولتين صاحبتي الحضارات العريقة، قال تشي شين، مدير متحف نانشان أن الآثار السورية التي تم جلبها إلى الصين من المتاحف المختلفة في أنحاء سوريا مثل المتحف الوطني بـ دمشق، ومتحف حلب الوطني، ومتحف دير الزور تعاني من آثار التدمير نظرا للأحداث المأساوية التي تشهدها الأراضي السورية منذ أكثر من 10 أعوام تقريبا، مؤكدا على أن احتضان هذه الآثار ذات القيمة الكبرى هو واجب على دولة الصين وأن إقامة أول معرض بهذا الحجم لعرض الآثار السورية فوق الأراضي الصينية هو أقل ما يستحقه سوريا حكومة وشعبا.

العلاقات السورية الصينية بين الماضي والحاضر

تعود جذور العلاقات الصينية السورية إلى ما يقرب من ألفي عام منذ بداية انطلاق قوافل طريق الحرير، حيث كانت الصين هي نقطة الانطلاق الأولى، وسوريا كانت محطة الالتقاء الأساسية مع قوافل الغرب، أي أن دمشق كانت بمثابة حلقة التواصل التجاري الأساسي بين الشرق والغرب. ومن هنا يتضح لنا أن إصرار الصين على مساندة الشقيق السوري لم يأتي من فراغ، فالمصالح الثنائية المتبادلة بين البلدين تضرب بجذورها في التاريخ، منذ طريق الحرير قديما وحتى مبادرة الحزام والطريق حديثا حيث تعد سوريا شريكا أساسيا في المشروع الدولي العظيم.

وقد مرت العلاقات الصينية السورية بمراحل طويلة شهدت العديد من محطات التعاون المتبادل وبخاصة خلال العقد الأخير من القرن الحالي. فمنذ اندلاع الثورة فوق الأراضي السورية ودخول دمشق في نفق مظلم من الاقتتال والانقسام وتدخل القوى الدولية وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وتركيا مما أسفر عن تدهور الأوضاع الإنسانية ونزوح الملايين من المواطنين خارج البلاد. وفي خضم هذه الأوضاع المؤسفة كانت دولة الصين هي الداعم الأكبر لجهود إعادة الإعمار وترميم البنية التحتية التي تهالكت إثر استمرار النزاعات المسلحة بين الأطراف المتعددة. كما يذكر أن الصين قد حرصت على استخدام حق الفيتو مرات عديدة في مجلس الأمن ضد عدد من مشروعات القرارات الدولية التي تحوي عقوبات وقيود تمثلت في الحصار الاقتصادي المفروض على سوريا، مما يؤكد على أن الصين كانت ولازالت تنظر إلى سوريا باعتبارها شريكا استراتيجيا أساسيا، وبخاصة أن سوريا تعد بمثابة بوابة الصين الأولى نحو كل من منطقتي الشرق الأوسط وأوروبا وبخاصة قبل اندلاع الأحداث الأخيرة في عام 2010 حيث كانت الشركات الصينية تحرز تقدما ملحوظا على صعيد الاستثمار والعمليات التجارية.

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات الصينية السورية قد بلغت ذروتها الاقتصادية والتجارية منذ بناء المدينة الصناعية الحرة في عدرا قرب دمشق والتي تعد حلقة الوصل الأساسية مع أسواق الشرق الأوسط وأوروبا. وتضم هذه المدينة الصناعية مقرا لقرابة مائتي شركة صينية متعددة من حيث مجالات الإنتاج ومناطق التوزيع.

كما تضم المنطقة مساحات شاسعة مخصصة للمخازن الصينية التي يتم تزويدها بآلاف السلع التي تحتاجها كل من السوق الأوروبية، والسوق الشرق أوسطية مما يؤمن لدولة الصين فرصا عظيمة وضمانات كبرى لوصول منتجاتها إلى مختلف بقاع العالم.

ويكتمل التعاون السياسي والاقتصادي بالتعاون الثقافي المقدم من دولة الصين إلى سوريا مما يسهم في تعزيز العلاقات بين البلدين ويبشر بمستقبل مبهر لكل منهما.