ما هي أسباب فشل أميركا في “الحرب على الإرهاب”؟

“الحرب على الإرهاب”

هذا الشعار الذي تبنّته الولايات المتحدة لمدة عشرين عاماً يسجّل فشلاً ذريعاً بعد الانسحاب الفوضوي والدامي للقوات الأميركية من أفغانستان، لذا وجبَ إجراء بعض البحث الجادِّ حول أسباب فشل الولايات المتحدة على هذا النحو المأساوي والمخزي، ولا سيما أن السبت يوافق الذكرى العشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.

 

أسباب كثيرةٌ تكمنُ وراء هذا الفشلِ الذريع، ولعلّ أولها المعاييرُ المزدوجة لدى الولايات المتحدة في الحرب الجماعية على الإرهابِ:

لقد شهد العالمُ على مدار العقدين الماضيين كيفيةَ تنفيذ واشنطن لحملتِها ضد الإرهاب وفق حساباتها الأنانية؛ بمعنى أنها لا تهاجم من الإرهابيين إلا الذين تعتبرهم تهديداً لأمنها الوطني، في الوقت الذي تشوّه فيه الإجراءاتِ المشروعةَ للدول الأخرى في سبيل قمع الإرهاب على أراضيها.

 

بعبارة أخرى؛ تحاول الولايات المتحدة احتكار الحقوق في تحديدها لهوية الإرهابيين أوفي رسمها للمعايير التي تحدّدهم، وذلك بناء على حاجات سياستها الخارجية، فعلى سبيل المثال كانت الولايات المتحدة في عهد باراك أوباما قد رفعت كوبا من قائمة الإرهاب حينما أرادت إعادةَ العلاقات الدبلوماسية معها، لكن في عهد ترامب تراجعت إدارته عن القرار لتعيد بذلك كوبا إلى القائمة الأميركية لما يسمى “الدول الراعية للإرهاب”.

إن دلّت هذه الخطوةُ التي نفّذتها إدارة ترامب على شيء فهي تدل على العملية اللا عقلانية في صنع القرار الأميركي الذي يتعلق بالإرهابِ.

 

مثال آخر؛ وهو حركةُ تركستان الشرقية الإسلامية، فهذه الحركة المتشددةُ المرتبطةُ بالقاعدة مُدرَجةٌ على قوائم الجماعات الإرهابية للأمم المتحدة والعديد من الدول الأخرى، إذ إنها تشكّل تهديداتٍ خطيرةً لأمنِ المجتمع الدولي واستقراره، ولكن رغم ذلك نجد أن واشنطن قد أزالت هذه الحركةَ بشكل أحادي من قائمتها للمنظمات الإرهابية في أواخر عام 2020.

 

وإضافة إلى هذا وذاك، فقد عمدتِ الولاياتُ المتحدة إلى مساعدةِ الإرهابيين لخدمة مصالحها الذاتية على مدى سنين طويلة، فمنذ عام 2004 قدّم الصندوق الوطني للديمقراطية في الولايات المتحدة -المموَّلُ إلى حد كبير من الكونغرس الأميركي- 8.76 مليون دولار أميركي للقوى المتطرّفة المرتبطة بالحركة مثل “المؤتمر الإويغوري العالمي”.

 

 

“تشير المعايير المزدوجةُ للولايات المتحدة بشأن الإرهاب إلى عقلية السياسيين الأميركيين الغريبة التي تُطلق على العنفِ السياسي إرهاباً فقط في حال ارتكبَه الجانبُ الذي لا يحبونه”

هذا التعليقُ كان قد وردَ في صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست.

وعلاوة على ذلك، فإن واشنطن تستخدم مكافحةَ الإرهاب ذريعةً سياسيةً من أجل التدخل في الدول الأخرى، والهدف طبعاً هو تحقيق مصالِحها الجيوسياسية وهيمنتِها على المستوى العالمي، فمنذ عقدين أطلقت الولايات المتحدة حملتَها لمكافحة الإرهاب مدّعيةً القضاءَ على الإرهاب العالمي، أما السبب الحقيقي فقد كان تحقيق مصالحها الذاتيةُ، ولكن مع ذلك لم تجلب “حربها على الإرهاب” هذه إلا المزيدَ من الفوضى والدمار والموت للعالم على مدى عشرين عاماً، يؤكد هذا الكلامَ ما توصل إليه مشروع “تكاليف الحرب” التابع لجامعة براون -وهي إحدى الجامعات البحثية الأميركية الرائدة- فقد قدّر عدد الأشخاص الذين قُتلوا بشكل مباشر في أعمال العنفِ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر بأكثر من 900 ألف شخص في أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا واليمن وغيرها.

 

 

وحسبما ورد في البياناتِ التي جمعتها منظمةُ “أنقذوا الأطفال” -وهي منظمة إنسانية دولية مقرها لندن- فقد بلغ عدد الأطفال الذين قُتلوا وشُوّهوا في أفغانستان ما يقارب الـ33 ألف طفل؛ أي بمعدل طفل واحد كل خمس ساعات على مدار عشرين عاماً.

 

لقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التجربة الوحيدةَ التي ذاقت الولايات المتحدة من خلالها وحشيةَ الإرهابيين ذوي الدم البارد، ولمّا كان على دول العالم أن تتعاون مع بعضها من أجل التغلب على هذا العدو المشترك، فرضَت أميركا معاييرها المزدوجة في هذه الحرب العالمية على الإرهاب، وهذه المعايير لم تشكّك بمصداقية الولايات المتحدة بوصفها قوةً عالمية مسؤولة فحسب، وإنما أدّت أيضاً إلى تآكل أسس التعاون الدولي لمكافحة الإرهاب.

إذن، سيفشل العالم في قهر الإرهابيين والتخلص منهم إذا ما استمرت الولايات المتحدة بهذا التلاعب السياسي، وما حدث في أفغانستان يبرهن مرة أخرى على ضرورة أن تتخلى واشنطن عن معاييرها المزدوجة قبل فوات الأوان وإلا ما عدا ذلك فقد تكون النتيجة وقوعَ هجوم (11 سبتمبر) آخر في وقت قريب.