لماذا عارضت الصين العقوبات الأمريكية المفروضة على إثيوبيا؟

بالرغم من الإدانة الواسعة التي وجهها العالم الغربي إلى إثيوبيا على خلفية تصاعد الصراع في إقليم تيجراي مما نتج عنه العديد من الأزمات الإنسانية، حيث أصبح أكثر من خمسة ملايين شخص بحاجة إلى المساعدات نظرا لاتساع نطاق المجاعات وحالات التشرد بحسب ما أفادت وكالة رويترز الإخبارية. إلا أن الصين برغم من تحفظها الشديد على الوضع المتأزم في البلاد إلا أنها تمسكت بموقفها المعارض لفرض جولة جديدة من العقوبات الأمريكية على إثيوبيا، وذلك حيث أن بكين تنظر إلى أديس أبابا على أنها الشريك الاستراتيجي الأكبر لها في قلب القارة الأفريقية، كما أن النهج الصيني ينبذ التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للبلاد، لذا فقد أعرب المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو لي جيان في تصريحات له مؤخرا في مؤتمر صحفي عن معارضة بلاده للعقوبات الأمريكية الجديدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي جو بايدن مؤخرا، والمتمثلة في أمر تنفيذي يشمل نظام جديد للعقوبات يمنح كل من وزارة الخارجية الأمريكية، ووزارة الخزانة الأمريكية سلطة محاسبة المسؤولين المتورطين في تفاقم الصراع في كل من الحكومة الأثيوبية والحكومة الإريترية.

متى بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في فرض العقوبات على أثيوبيا؟

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في مايو الماضي عن عزم واشنطن فرض سلسلة من العقوبات بحق المسؤولين عن اشتعال الصراع في إقليم تيجراي، وتعد تلك العقوبات بمثابة رسالة واضحة وإعلان صريح أمام العالم عن رفض الولايات المتحدة للوضع المتأزم في الإقليم والذي تسبب في نزوح الآلاف جراء ارتكاب الأعمال الوحشية بحق المدنيين على خلفية نشوب حركة تمرد على الحكومة سابقا. وجاءت العقوبات الأمريكية بعد اتساع نطاق الإدانة من قبل المجتمع الدولي ومجلس الأمن بحق المسؤولين المتورطين في تأجيج الصراع في الإقليم، والحيلولة دون وصول المساعدات الإنسانية، وعرقلة جميع المساعي الرامية إلى وقف إطلاق النار وخلق نوع من التهدئة بين الأطراف المتنازعة، وانتهاك حقوق الإنسان.

وتعود جذور الصراع في إقليم تيغراي شمالي البلاد منذ وصول أبيي أحمد رئيس الحكومة إلى سدة الحكم بعد الاحتجاجات التي أطاحت بالحكومة السابقة التي كانت تسيطر عليها جبهة تحرير شعب تيغراي” في 2018 فقد عمدت الحكومة الأثيوبية الحالية برئاسة أبيي أحمد إلى تهميش الأقليات الأخرى التي تنتمي في الأساس إلى إقليم تيغراي، مما أدى إلى إطلاق دعوات لانفصال الإقليم وتحويله إلى منطقة حكم ذاتي. وكانت تلك هي الشرارة الأولى لحدوث سلسلة من الصراعات الدامية تورط فيها العديد من الأطراف وهي؛ الحكومة الأثيوبية، والحكومة الإريترية، وجبهة التحرير الشعبية لتحرير تيجراي وحكومة أمهرة الإقليمية.

الموقف الصيني من الصراع في تيغراي

حرصت الصين على التزام الموقف المتحفظ من الصراع في إقليم تيجراي، فقد كانت ومازالت على مدار عقود الشريك الاقتصادي الأكبر لدولة أثيوبيا، هذا بالرغم من تعمد الصين التخفيف من دعمها السياسي لأديس أبابا في عهد ابيي أحمد وهو على عكس ما سائدا من قبل عندما كانت الحكومة تابعة لـ جبهة تحرير تيجراي، إلا أن الصين المشهود لها دائما برؤيتها المتوازنة وحكمها المعتدل للأمور فقد آثرت الوقوف في صف مصالحها الاقتصادية في أثيوبيا والتي تضررت على خلفية اندلاع الصراعات شمالي البلاد. وقد ركزت رؤية الحكومة الصينية منذ بدايات نشوب الصراعات على التخطيط لجهود إعادة إعمار الإقليم المتضرر.

ومن ثم يتضح لنا الموقف المحايد الذي يتسم بالمرونة لدولة الصين من القضايا الشائكة حيث ترفض الصين تماما التدخل المباشر والسافر في شؤون الدول الأخرى، وهذا على عكس النهج الغربي الذي تقوم فلسفته في الأساس على بسط النفوذ وفرض الهيمنة على شعوب العالم.

ولعل هذا ما دفع الحكومة الصينية إلى التعبير عن موقفها بكل صراحة من قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن برفض تصعيد العقوبات المفروضة على أثيوبيا، فلم يعد الأمر يقتصر على منع إصدار تأشيرات السفر فحسب بل امتد ليشمل خطة لوقف المساعدات الأمريكية، الأمر الذي اعتبرته وكالة بلومبرج الدولية مزيدا من الضغوط على أديس أبابا وبخاصة في ظل انحسار الموارد الاقتصادية للبلاد على إثر الصراع الداخلي وتفشي فيروس كورونا في البلاد.

ويمكن القول هنا بأن كفة المصالح الاقتصادية الصينية قد آثرت النهج المتحفظ إزاء قضية الصراع في تيجراي ضمانا لاستمرار العلاقات الثنائية مع حكومة أبيي أحمد من جهة نظرا للدور المحوري الذي تلعبه أثيوبيا في مبادرة الحزام والطريق، ومن ناحية أخرى الحفاظ على الاستثمارات الصينية في البلاد، مما يكشف عن رؤية حكيمة بعيدة كل البعد عن الاندفاع والتحزب والتحيز الأعمى إزاء القضايا الدولية والشؤون الداخلية للبلدان الأخرى.