فكر شي حول الحضارة البيئية يلهم العالم لبناء الإنسجام بين جميع الكائنات

وكالة أنباء شينخوا-

مقالة خاصة:

يستعد ممثلون من الحكومات والشركات والمنظمات غير الحكومية من جميع أنحاء العالم للمشاركة في حدث تاريخي تستضيفه الصين للتفاوض على توافق في الآراء يحدث مرة كل 10 سنوات بشأن حماية التنوع الجيولوجي العالمي.

من المقرر أن يبدأ الاجتماع الـ15 لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، المعروف باسم كوب 15، يوم الاثنين المقبل في مدينة كونمينغ بجنوب غرب الصين.

وباعتباره أول مؤتمر عالمي تعقده الأمم المتحدة حول موضوع الحضارة البيئية، وهي فلسفة اقترحتها الصين، سيقدم منبرا للدول لإيجاد أرضية مشتركة حول “بناء مستقبل مشترك لجميع أنواع الحياة على الأرض”.

ومع التمسك برؤية العيش في انسجام مع الطبيعة واسترشادا بالإطار الفلسفي لفكر الرئيس الصيني شي جين بينغ بشأن الحضارة البيئية، تتقدم الصين بخطى حثيثة نحو بناء اقتصاد أخضر مع تعزيز إدارة عادلة للتنوع البيولوجي بمشاركة جميع الأطراف.

استعادة السلام مع الطبيعة

وقال شي “سنحمي النظم البيئية بنفس القدر الذي نحمي به أعيننا، ونعتز بها بقدر ما نعتز بحياتنا”.

وشد على أن نموذج التنمية المتمثل في “قتل الدجاج من أجل البيض” و”تجفيف البحيرة من أجل الأسماك” وصل إلى طريق مسدود، وسيضاء المستقبل بالتنمية الصديقة للبيئة التي تتوافق مع قواعد الطبيعة.

ولهذا، يوفر التاريخ الكثير من الدروس المستفادة. في التسعينيات من القرن الماضي، بدأت قرية يويتسون الجبلية في مقاطعة تشجيانغ بشرق الصين في استغلال موارد المناجم من أجل الثراء بسرعة. بيد أن الأعمال التجارية أدت إلى تلوث خطير بعد سنوات.

في عام 2005، أغلقت يويتسون ثلاثة محاجر للحجر الجيري، وتحولت تدريجيا نحو السياحة البيئية وغيرها من الصناعات الصديقة للبيئة.

وعندما زار شي، سكرتير لجنة الحزب الشيوعي الصيني في مقاطعة تشجيانغ آنذاك، يويتسون، أخبر القرويين أن قرارهم كان “حكيما”، مشيرا إلى أن “الجبال والأنهار الخضراء هي جبال من الفضة والذهب”.

هذا المفهوم، الذي تم دمجه فيما بعد في فكر شي حول الحضارة البيئية، شجع العديد من المدن والقرى الصينية على السعي لتحقيق نمو عالي الجودة ومستدام من خلال حماية البيئة، وتطوير الصناعات الخضراء، والحفاظ على التنوع البيولوجي.

وخلال رحلة رسمية إلى زيمبابوي في عام 2015، زار شي محمية محلية للحياة البرية حيث أطعم فيلا يتيما. وجدد التأكيد على التزام الصين بحماية الحياة البرية وتعهد بمساعدة زيمبابوي على القيام بذلك من خلال التبرع بالمعدات وتبادل الخبرات مع الصين.

وقال روكسي دانكويرتس، مؤسس المحمية، في معرض استذكاره شرح شي لمبادرات الصين لتربية الباندا العملاقة وتوسيع المناطق المحمية، “شعرت بأنه أمر مهم للغاية بأن يقوم بمثل هذه الخطوات الكبيرة في بلاده”.

وفي يوليو/ تموز من هذا العام، أعلنت السلطات الصينية أن الباندا العملاقة، التي يتجاوز تعدادها في البرية 1800، قد أعيد تصنيفها من “مهددة بالانقراض” إلى “ضعيفة”، مما يلقي الضوء على تحسن ظروف موائل الدببة في وطنها.

وقال فانس مارتن، رئيس مؤسسة “وايلد”، إن “مثال الصين مع الحضارة البيئية، والنظر إلى الصورة الكبيرة، ووضع الصورة الكبيرة للعمل محليا في مناطق معينة بمشاركة المجتمع، هو بالضبط ما يتعين على العالم فعله”.

يتردد صدى فكر شي حول الحضارة البيئية لدى المزيد من الناس في مختلف أنحاء العالم.

وقالت إليزابيث ماروما مريما، الأمينة التنفيذية لاتفاقية التنوع البيولوجي، إن “الحضارة البيئية هي مفهوم مثير للاهتمام. ولماذا مثير للاهتمام؟ لأنه يبحث في العلاقة بين المجتمع والطبيعة”.

وأضافت أن هذه الفلسفة توضح “التيار الرئيسي للتنوع البيولوجي عبر القطاعات، عبر الإدارات، وهو أمر بالغ الأهمية أيضا لجميع البلدان لتحقيق أهداف التنوع البيولوجي العالمية”.

حشد توافق عالمي

في منتصف سبتمبر، دقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ناقوس الخطر بشأن السرعة غير المسبوقة لفقدان التنوع البيولوجي العالمي، وحثت على العمل المشترك للتصالح مع الطبيعة.

ولضمان توافق عالمي وترجمة الالتزامات إلى أفعال، أطلقت الصين مؤتمر كونمينغ على الرغم من وباء كوفيد-19، مما يدل على دعمها القوي لنهج متعدد الأطراف للحفاظ على التنوع البيولوجي في العالم.

وقال شي في قمة القادة حول المناخ بمناسبة يوم الأرض لهذا العام “نحن بحاجة إلى اتخاذ كل منا إجراءات أقوى، وتعزيز الشراكات والتعاون، والتعلم من بعضنا البعض، وإحراز تقدم مشترك في الرحلة الجديدة نحو حياد الكربون العالمي”.

والصين دائما ما تقوم بترجمة الأقوال إلى أفعال.

وعلى مدى أربعة عقود من بناء برنامج غابات حزام الوقاية الثلاثية الشمالية، والذي يغطي حوالي 42.4 في المائة من مساحة اليابسة في الصين، تم زراعة أكثر من 7.88 مليون هكتار من أشجار مصدات الرياح وتم استرداد أكثر من 10 ملايين هكتار من الأراضي العشبية المهجورة.

وقالت مريما إن “الحكومة الصينية استمرت في تطبيق نهج طويل الأجل لوقف وعكس اتجاه فقدان التنوع البيولوجي مع أفرقة شاملة متعددة التخصصات يمكنها تقديم حلول قائمة على الأدلة”.

ووفقا للبيانات الصادرة عن وكالة “ناسا”، شكلت الصين وحدها ما لا يقل عن ربع نمو التغطية الخضراء العالمية المقدرة بـ 5 في المائة في الفترة من عام 2000 إلى عام 2017.

وفي الوقت نفسه، فإن الصين على استعداد لتبادل خبراتها الغنية مع العالم. وقد أرسلت فرقا من علماء البيئة لمساعدة السور الأخضر العظيم — وهي حملة تشجير أفريقية — على تكرار الإنجاز الذي حققته الصين في صحراء تاكلاماكان في الصحراء الكبرى، وذلك مع توقيع مذكرة تفاهم في عام 2017 بين معهد شينجيانغ للبيئة والجغرافيا والوكالة الأفريقية للسور الأخضر العظيم لتحسين البيئة البيئية في أفريقيا.

ولتعزيز الاستدامة البيئية لمبادرة الحزام والطريق، أطلقت الصين تحالفا دوليا للتنمية الخضراء في عام 2019، مع تكليفه بمهمة دمج التنمية المستدامة مع أولويات المبادرة، مع مشاركة أكثر من 130 شريكا.

وقال وليد جاب الله، أستاذ الاختصاصات المالية والاقتصادية بجامعة القاهرة، إن فلسفة شي ومساعي الصين البيئية ألهمت العالم، وخاصة البلدان الواقعة على طول الحزام والطريق، حيث ساعدتها الصين على التحرك نحو أهداف التنمية المستدامة الخاصة بهم.

وأفادت مريما أن “المفهوم الصيني عن الوحدة، عن الطبيعة والإنسان، كما نأمل، سيكون مثالا جيدا للدول الأخرى لإتباعه أو الاقتداء به”.

خطوات أكبر إلى الأمام

وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم تغيرات عميقة لم يسبق لها مثيل منذ قرن من الزمان، تقوم الصين باتخاذ خطوات حازمة وفعالة نحو اقتصاد أخضر حقا. وقد أدرجت حفظ التنوع البيولوجي في خططها الشاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ومن المتوقع أن يستعرض مؤتمر كونمينغ القادم “إطار التنوع البيولوجي العالمي لما بعد عام 2020” وأن يرسم مخططا للتنفيذ العالمي على مدى السنوات العشر القادمة.

في كلمته أمام الدورة الـ75 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2020، قال الرئيس شي إن الصين تهدف إلى بلوغ ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قبل عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني قبل عام 2060.

وفي الدورة الـ76 للجمعية العامة الشهر الماضي، أعلن شي أن الصين ستكثف دعمها للدول النامية الأخرى لتطوير طاقة خضراء ومنخفضة الكربون، ولن تبني مشاريع طاقة جديدة تعمل بالفحم في الخارج.

لقد اعترف المجتمع الدولي بمساعي الصين وعززت هذه المساعي الثقة لدى الدول الأخرى.

وقال جين لي تشيون، رئيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، إن “هذه خطوة جريئة ومهمة للصين ولبقية العالم. كما أنها إشارة واضحة إلى التزام البلاد الملموس بالجهود العالمية لمعالجة إحدى أكثر القضايا إلحاحا في عصرنا”.

ووصف نايجل توبينغ، مناصر العمل المناخي رفيع المستوى في بريطانيا لمحادثات الأمم المتحدة حول المناخ، الحضارة البيئية بأنها “الأكثر إثارة” من بين الأفكار القادمة من الصين.

وقال “منذ أن سمعت مصطلح ‘حضارة بيئية’، كنت أقول ‘نعم’، هذا ما نحاول جميعا بناءه، وهذا ما يجب أن نبنيه”.