سياسة الصين الاقتصادية و نتائجها

نجحت الصين في التحول من بلد فقير إلى ثاني قوة إقتصادية في العالم لكن كيف صمدت في وجه الحرب التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية التي سميت بالحرب الباردة الحديثة ؟

الاستفادة من التجارب السابقة:
يمكن القول بأن الصين في فترة بناء إقتصادها قد أسست أسسا متينة لهذا الاقتصاد، فقد استفادت الصين من التجارب السابقة سواء في الداخل أو الخارج و أثبتت سياسة الإنكماش على الذات أنها غير مجدية.

و قررت الصين إتباع سياسة السوق المفتوحة و بين القديم و الحديث فإن التاريخ يعيد نفسه، فبعد الحرب العالمية الثانية و إبان الحرب الباردة اعتمدت الولايات المتحدة على خطة جريئة سميت مشروع مارشل.
و كانت تتمثل في إعادة إعمار أوروبا المدمرة و خلق إستثمارات أمريكية في السوق الأوروبية، و نتج عن ذلك تقوية الاقتصاد الأمريكي و جر الدول الأوروبية الى النظام الرأسمالي و تضييق الخناق على الإتحاد السوفياتي و تفكك من تلقاء نفسه دون تدخل عسكري.

الاستثمار في مختلف أنحاء العالم:
الولايات المتحدة الأمريكية:
و هذا التمشي نفسه اتبعته الصين و لكن بالإنفتاح التجاري و الإستثمار في جميع أنحاء العالم، حيث سعت الصين الى التعاون و التبادل التجاري مع الولايات المتحدة و كان حجم المبادلات كبيرا جدا، ففي الثلاث الشهور الأولى من سنة 2020 بلغ حجم الصادرات الصينية الى الولايات المتحدة الأمريكية 119 مليار دولار وفقا لبيانات الجمارك الصينية .

الاتحاد الأوروبي:
كما سعت الصين إلى تطوير إستثماراتها في دول الإتحاد الأوروبي و منذ سنة 2004 أصبحت الصين الشريك التجاري الأول للإتحاد الأوروبي.

الدول الإفريقية:
ثم تجاوزت بكين المبادلات التجارية التي كانت تقتصر على الدول المتقدمة لتشمل دول ما بعد الإتحاد السوفياتي
و جنوب شرق آسيا و إفريقيا و غيرها .

الدول الآسيوية:
أما في آسيا فقد عززت الصين قوتها التجارية بعد إتفاق 15 دولة بقيادة الصين على إنشاء أكبر كتلة تجارية في العالم تضم مايقرب من ثلث الأنشطة الإقتصادية العالمية
و شاركت في إبرام الإتفاق كل من أندونيسيا ، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، تايلند، فيتنام ،لاوس، بورما، كمبوديا.

نتائج سياسة الصين الاقتصادية:
و ساهم هذا الإتفاق في تعزيز الوجود الصيني في المنطقة و إقصاء التواجد الأمريكي .
كما إستطاعت الصين خلق إستثمارات ضخمة في القارة الإفريقية من خلال الإستثمار في مجال البنية التحتية من طرقات و سكك حديدية و سدود و موانئ و مطارات بتكاليف تنافسية و قروض ميسرة .

و لم تغفل بكين عن مسألة الطاقة فقد نوعت مصادر الطاقة و أبرمت إتفاقيات مع دول إفريقيا المنتجة للنفط و دول الشرق الأوسط، و عززت علاقاتها مع روسيا حيث إتفقت مع روسيا على زيادة صادرات النفط سنة 2013 من 300 ألف برميل في اليوم الى 800 ألف و مشاركة الشركة الصينية للبترول في تطوير ثلاثة حقول بحرية في بحر بارنتس و ثمانية حقول شرق سيبيريا.

كما أبرمت صفقة غاز تزود روسيا بموجبها الصين ب 38 مليار متر مكعب من الغاز سنويا.

و على غرار هذه الإجراءات الخارجية فقد عززت الصين التجارة الداخلية من خلال سياسة الحفاظ على النشاط التجاري للمواطنين، و ذلك بإنقاذ الشركات الصغيرة
و المتوسطة بتأجيل الضرائب و إلغاء بعضها و تقديم قروض ميسرة، و هذا ما يفسر عدم تضرر الإقتصاد الصيني في جائحة كورونا،إذ حافظت على 90% من الوظائف في حين سارعت عديد الشركات و المحلات للإغلاق في بلدان أخرى.
و هكذا فإن السياسة الاقتصادية الصينية لم تنجح فقط في الصمود أمام الحرب التجارية الأمريكية، بل إندمجت مع الإقتصاد الأمريكي فعقب الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على الصادرات الصينية لإصلاح العجز التجاري الأمريكي عادت التجارة المتبادلة بينهما إلى أعلى مستوياتها و زاد الفائض التجاري الصيني و تفاقم العجز الأمريكي.