سفير الإمارات لدى الصين: معرض إكسبو دبي 2020 فرصة لتوسيع الآفاق وتبادل الأفكار

بقلم علي عبيد الظاهري، سفير دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الصين

تستعد دولة الإمارات العربية المتحدة لافتتاح معرض إكسبو دبي 2020 في الأول من أكتوبر القادم، والذي سيستمر على مدى ستة أشهر، ليجمع أكثر من 190 دولة، إضافة إلى عدة منظمات متعددة الأطراف وشركات ومؤسسات تعليمية رائدة، ويعمل كمنصة عالمية للتعرف على الأفكار والابتكارات الجديدة المنتظرة لبناء مستقبل أفضل للبشرية.

يمثل اكسبو دبي القادم شعلة أمل أخرى ستساعد في إضاءة طريق العالم من ظلمة الوباء إلى نور التعافي والتنمية والتطور، اعتمادا على العقول البشرية التي لطالما وجدت حلولا للعالم في أصعب حقباته، وهو ما يترجمه شعار اكسبو 2020 بـ “ترابط العقول، وصنع المستقبل”.

تتشرف دولة الإمارات العربية المتحدة وتفخر باستضافة معرض إكسبو الدولي لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا ليكون أكبر تظاهرة عالمية من نوعها تقام حضوريا في ظل تداعيات جائحة “كوفيد – 19″، خاصة وأنه يتزامن مع احتفالات اليوبيل الذهبي لتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر.

فرصة للتخطيط المشترك من أجل مستقبل أفضل

لقد مثلت دورات اكسبو السابقة على مدى 170 عاماً مهداً للابتكارات التي رسمت ملامح العالم الذي نعيشه اليوم. وستحافظ دورة اكسبو دبي هذا العام على هذا الهدف، وستكون بمثابة محطة فاصلة بين عالم ما قبل الجائحة وعالم ما بعدها. ذلك أن كوفيد-19 غير ملامح العالم على عدة مستويات وبشكل جذري. وسيمثل اكسبو دبي منصة مشتركة واسعة النطاق للتخطيط الجماعي والعمل المشترك لرسم ملامح العالم لحقبة ما بعد الجائحة، لأنه يمثل منصة انطلاق نحو توسيع آفاق المعارف وتبادل الأفكار، والتركيز على الابتكار والتعاون والإلهام، وسيجسّد الالتزام التام لدولة الإمارات العربية المتحدة ببناء مستقبل أكثر نظافة وأمانا وصحة للجميع، ومستقبل أفضل لشعبها وشعوب لعالم.

الجناح الصيني من بين الأكبر في المعرض

لا شك أن الصين ستلعب دوراً رئيسيا في الاكسبو حيث سيكون الجناح الصيني أحد أكبر الأجنحة المشاركة، حيث سيغطي مساحة تتجاوز الـ 4600 متر مربع، وسيسلط الضوء على الدور الريادي المتطور والسريع للصين، وعلى مشاريع تشكيل المستقبل والبنية التحتية الضخمة بما في ذلك مبادرة “الحزام والطريق” وتكنولوجيات اتصالات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي ومنها المركبات ذاتية التحكم التي يمكنها مشاركة البيانات واتخاذ القرارات الصعبة، كما سيعرض بوضوح ثقافة الصين العميقة وتاريخها الطويل من خلال دمج العناصر الصينية بشكل فني مع التقنيات الحديثة.

فرصة لاستكشاف آفاق أرحب للتعاون الثنائي

تمثل جمهورية الصين الشعبية الصديقة قطباً من أقطاب التقدم التكنولوجي العالمية، وتنتهج سياسة قوامها التحول شيئا فشيئا من مصنع للعالم إلى لاعب قوي في معادلة التطوير والابتكارات وهو ما نجحت فيه إلى حد كبير.

وسيمثل الاكسبو فرصة كبيرة للقطاعين العام والخاص في الإمارات، للإطلاع بصفة مباشرة على التكنولوجيات والحلول الصينية المستقبلية والتعلم والاستفادة منها. كما سيساعد دولة الإمارات على استشراف الخطط المستقبلية لأوجه فرص التعاون بين البلدين ووضع حجر الأساس لها من الآن.

من جهة أخرى، سيطلع الأصدقاء الصينيون عن كثب على مختلف فرص الاستثمار المتاحة في البلاد وسيساعدهم في رسم ملامح خططهم المستقبلية للمجالات الواعدة التي تتيحها دولة الإمارات العربية المتحدة. ومن المنتظر أن تكون أبرز الابتكارات الإماراتية محل اهتمام الإخوة الصينيين بالنظر إلى خصوصيتها وملاءمتها للسوق المحلية والخليجية، ما سيعينهم على زيادة فهم المنطقة ككل، كما سيسهم المعرض في خلق فرص قادرة على المساهمة في رسم ملامح جديدة وواعدة للتعاون الثنائي بين البلدين.

جدير بالذكر أن الإمارات ستستضيف، بالتزامن مع فعاليات الإكسبو، الاجتماع السنوي لبنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوية، لتكون أول دولة تستضيف هذا الاجتماع في الشرق الأوسط وافريقيا.

شراكة استراتيجية خاصة ورؤى مستقبيلة مشتركة

تجمع الإمارات بالصين علاقات وطيدة تضرب جذورها في التاريخ، وقد حافظت على تطور إيجابي سليم وصحي ومتواصل، حيث تعد الصين أكبر شريك تجاري لدولة الإمارات العربية المتحدة، بينما تعتبر الإمارات أكبر شريك تجاري غير نفطي لها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويسعى البلدان إلى رفع قيمة التبادل التجاري بينهما إلى 200 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030. كما توّج البلدان علاقاتهما الثنائية بالارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة في عام 2018، لتبدأ حقبة جديدة من الانجازات الثنائية الرائعة التي يثمرها التعاون الثنائي المدفوع بشكل خاص من القيادتين الحكيمتين في البلدين.

وأعلنت حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة مؤخراً عن المبادئ الاستراتيجية الـ 10 التي ستستند عليها البلاد خلال الـ 50 عاماً المقبلة، لتحدّد توجهات الدولة للخمسين سنة المقبلة، وترسم مسارها الاقتصادي والسياسي والتنموي، والتي توحي بتوافق في الرؤى المستقبلية مع جمهورية الصين الشعبية وتقارب في الأفكار المتعلقة برفاهية الشعب والسلام والأمن وغيرها من القضايا الجوهرية، كما يبدو واضحاً التشابه بين هذه الاستراتيجية والخطة الخمسية الـ 14 في الصين، إذ وضع البلدان الابتكار التكنولوجي على قائمة المهام في إشارة واضحة بأن هناك توجهاً لرفع مكانة الابتكار التكنولوجي إلى أهمية غير مسبوقة واعتباره داعماً استراتيجياً للتنمية، ورهان الدولة نحو المستقبل.

ولذلك فإن اكسبو دبي 2020، يعتبر فرصة ثمينة للبلدين، ولكل بلدان العالم، للاستفادة من بعض، وللتعاون في هذا المجال الحيوي الذي يضع أسس التنمية البشرية في المستقبل، لأنه ليس كغيره من المعارض، حيث يترجم تطلعات البشرية كافة نحو مستقبل أكثر ازدهارا. كما يجمع في حدث ضخم أبرز العقول الابتكارية وأهم الأفكار التي من شأنها ان تغير ملامح المستقبل نحو الأفضل.

التغير المناخي محور رئيسي في أعمال إكسبو 2020 دبي

لطالما سعت الإمارات عبر مختلف آلياتها لأن تلعب دورا إيجابيا في قضايا المناخ. فشجعت داخليا على اعتماد التكنولوجيا والآليات التي من شأنها أن تحد من التغير المناخي. كما نادت عالميا إلى ضرورة تكثيف الجهود لمحاربة التغيير المناخي لقناعتها بأن قضية المناخ قضية جامعة تشترك بمقتضاها جميع الدول في المصير وإن اختلفت الدرجات من منطقة إلى أخرى، ولمعرفتها كذلك بأن منطقة الشرق الأوسط تقع في دائرة المناطق المتضررة من الاحتباس الحراري مثلا، مثلها مثل الكثير من المناطق الأخرى. تستغل الإمارات كل منبر عالمي وحدث دولي لطرح قضية التغير المناخي كقضايا دولية أولوية يجب التركيز عليها. ولذلك سيكون هذا الملف حاضرا بقوة خلال فعاليات معرض اكسبو 2020، وستستضيف البلاد قمة عالمية حول قضايا المناخ خلال هذا الحدث العالمي. وهو أيضا ما يفسر حرصها على استضافة مؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ COP28 عام 2023.

ولا شك أن لجمهورية الصين الشعبية مقعد أمامي على الساحة الدولية فيما يخص قضية المناخ، إذ تشترك الصين مع الإمارات في اهتمامها بقضية المناخ، وتعمل بجهود حثيثة في هذا الصدد، وقد التزمت الحكومة الصينية في خطتها الخمسية الأخيرة بتكثيف الترويج للتنمية منخفضة الانبعاثات الكربونية والاستخدام الأكثر كفاءة للموارد ومنح أولوية للمحافظة على الطبيعة، كما تعهد الرئيس الصيني شي جين بينغ بأن تصل البلاد إلى ذروة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030 وتحقيق الحياد الكربوني عام 2060، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي.

مبادئ المحبة والسلام والتعايش

سيمثل اكسبو 2020 دبي مرآة يرى فيها العالم بوضوح المبادئ النبيلة التي ترتكز عليها دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي السلم والتسامح والانفتاح والحوار مع الثقافات الأخرى من خلال مد جسور التواصل والتعاون مع المجتمع الدولي لتعزيز الأمن والاستقرار وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة على مستوى العالم. وتعد علاقاتنا مع جمهورية الصين الشعبية نموذجا متميزا للعلاقات الثنائية الطيبة القائمة على الاحترام والثقة المتبادلين والتي تنسجم مع هذه المبادئ، فقد تمكنت الصين بتبنيها للمبادئ الخمس للتعايش السلمي، أن تكون وطناً لـ56 قومية مختلفة في العديد من الأمور لكنها مشتركة في الهوية والانتماء، كما مكنتها هذه المبادئ من بناء علاقات طيبة مع أغلب دول العالم ومنها الدول العربية والخليجية وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة، لتصبح العلاقات الثنائية القائمة على الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة والتعايش السلمي مثالاً يحتذى به على الساحة الاقليمية والدولية.

لطالما كانت أرض الإمارات أرضا جامعة لمختلف ثقافات وديانات وأعراق هذا العالم جمعا قائما على أسس من التعايش السلمي والانفتاح على الآخر والتسامح، وتلاقت فيها الحضارات والثقافات المتنوعة بتناغم وانسجام ساهمت بدورها في نحت المسيرة التنموية في البلاد جنبا إلى جنب مع سواعد البلاد المحلية وعقولها وبإشراف من قيادتها الحكيمة.

وإن اكسبو 2020 خير مثال على هذه الثقافة المتأصلة في بلادنا: إنها ستجمع أكثر من 190 جنسية من مختلف أقطار العالم وبتوقعات تصل إلى 25 مليون زائر من المنتظر أن يكون 75% منهم من خارج البلاد. الأطراف التي صوتت لدبي لأن تكون حاضنة اكسبو 2020 لم تنظر في تقييمها إلى الإمكانيات البشرية واللوجستية والبنى التحتية التي تنعم بها البلاد فحسب، بل كانت توقن أيضا أن حدثا بهذا الحجم يتطلب بيئة جامعة ترتكز على أسس من المحبة والسلام والتعايش. وهو ما يتوفر في بلادنا عامة وستدعم هذا المبدأ أثناء إقامة المعرض وبعده.