ترسيخ الثقة والعمل سويا على تجاوز الصعوبات العابرة وبناء عالم أجمل

– كلمة رئيس جمهورية الصين الشعبية شي جين بينغ في جلسة المناقشات العامة للدورة الـ76 للجمعية العامة للأمم المتحدة

إن عام 2021 عام استثنائي للغاية بالنسبة إلى الشعب الصيني، إذ أنه يصادف الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني. كما أنه يصادف الذكرى الـ50 لاستعادة المقعد الشرعي لجمهورية الصين الشعبية في الأمم المتحدة، التي سنحتفل بها بشكل يليق بعظمة هذا الحدث التاريخي. سنواصل العمل على الارتقاء بالتعاون بين الصين والأمم المتحدة إلى مستوى جديد، وسنقدم مساهمات جديدة وأكبر باستمرار للقضية السامية للأمم المتحدة.

قبل سنة، حضر قادة دول العالم اجتماعات القمة التي عقدت بمناسبة الذكرى الـ75 لتأسيس الأمم المتحدة، وتعهدوا في البيانات السياسية الصادرة عن هذه الاجتماعات بمكافحة الجائحة عبر التعاون ومواجهة التحديات يدا بيد والالتزام بتعددية الأطراف وتعزيز دور الأمم المتحدة وبناء مستقبل مشترك لعالم اليوم وللأجيال القادمة.

على مدى العام المنصرم، تتفاعل التداعيات الناجمة عن التغيرات غير المسبوقة منذ مائة سنة وجائحة فيروس كورونا المستجد التي اجتاحت العالم، وتزداد تطلعات شعوب العالم للسلام والتنمية، وتزداد دعوتها للإنصاف والعدالة قوة، وتزداد مساعيها وراء التعاون والكسب المشترك ثباتا.

وفي الوقت الراهن، ما زالت الجائحة تتفشى في العالم، وقد طرأ على المجتمع البشري تغير عميق. وقد دخل العالم إلى مرحلة جديدة من الاضطراب والتحول، فلا بد لكل سياسي مسؤول الإجابة على أسئلة العصر واتخاذ خيار تاريخي بثقة وشجاعة ومسؤولية.

أولا، لا بد لنا من هزيمة الجائحة والانتصار في هذه المعركة الهامة التي تهم مستقبل البشرية ومصيرها. إن تاريخ حضارات العالم هو أيضا تاريخ للمعارك ضد الأوبئة، حيث أن البشرية تحقق تطورا وتقدما أكبر من خلال تجاوز تحديات متتالية. على الرغم من شراسة هذه الجائحة، غير أننا سننتصر عليها في نهاية المطاف.

علينا التمسك بوضع الشعب والحياة في المقام الأول، والاعتزاز بالحياة والقيمة والكرامة لكل فرد. وعلينا تكريس الروح العلمية والتمسك بالموقف العلمي والامتثال للقانون العلمي، والعمل على التوفيق بين الإجراءات الاحترازية الروتينية المستهدفة وإجراءات التعامل الطارئة، والتوفيق بين مكافحة الجائحة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلينا تعزيز التعاون الدولي في الوقاية والسيطرة، مما يقلل إلى أقصى حد من مخاطر انتشار الجائحة عبر الحدود.

يعد اللقاح سلاحا حادا لهزيمة الجائحة. أكدت لعدة مرات على ضرورة جعل اللقاح منفعة عامة للعالم وضمان إتاحته للدول النامية بتكلفة ميسرة. إن الشغل الشاغل هو توزيع اللقاحات على نطاق العالم على نحو منصف وعادل. ستبذل الصين جهودا لتقديم ملياري جرعة من اللقاح إلى العالم في هذا العام، وستتبرع بمائة مليون جرعة إضافية من اللقاح إلى الدول النامية في غضون العام الجاري إلى جانب ما تبرعنا من مائة مليون دولار أمريكي إلى برنامج الكوفاكس. ستواصل الصين دعم أعمال التتبع العلمي لمنشأ الفيروس في العالم والمشاركة فيها، وترفض الصين رفضا قاطعا التلاعب السياسي بأي شكل من الأشكال.

ثانيا، لا بد لنا من العمل على إنعاش الاقتصاد وتحقيق تنمية عالمية أقوى وأكثر اخضرارا وصحة. إن التنمية مهمة رئيسية لتحقيق سعادة الشعب. في وجه الصدمات الخطيرة المترتبة على الجائحة، علينا العمل سويا على دفع التنمية العالمية نحو مرحلة جديدة تتميز فيها بالتوازن والتناسق والشمولية. في هذا السياق، أود أن أطرح مبادرة التنمية العالمية كما يلي:

التمسك بالأولوية للتنمية. إبراز التنمية في إطار السياسات الكلية العالمية، وتعزيز التنسيق بين الاقتصادات الرئيسية في السياسات، والحفاظ على الاستمرارية والاستقرار والاستدامة للتنمية، وإقامة علاقات الشراكة التنموية العالمية الأكثر مساواة وتوازنا، ودفع الارتقاء بمستوى التنسيق والفاعلية لعملية التعاون المتعدد الأطراف في مجال التنمية، والإسراع في تنفيذ أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة.

التمسك بوضع الشعب في المقام الأول. ضمان معيشة الشعب وتحسينها وحماية حقوق الإنسان وتعزيزها من خلال التنمية، والسعي وراء تحقيق التنمية من أجل الشعب والاعتماد عليه وتقاسم منافع التنمية معه، بما يعزز شعور الشعب بالسعادة والكسب والأمن باستمرار، ويحقق التنمية الشاملة للإنسان.

التمسك بالمنفعة للجميع والشمولية. الاهتمام بالاحتياجات الخاصة للدول النامية، ومساندة الدول النامية خاصة الدول الهشة التي تعاني من صعوبات بالغة من خلال تعليق مدفوعات خدمة الدين وتقديم مساعدات تنموية، وتركيز الجهود على معالجة اخلال التوازن وعدم الكفاية للتنمية بين الدول وداخل كل دولة.

التمسك بالتنمية المدفوعة بالابتكار. اغتنام الفرصة التاريخية التي أتاحتها الجولة الجديدة من الثورة التكنولوجية والتحول الصناعي، وتسريع عملية تحويل الإنجازات العلمية إلى قوى إنتاجية واقعية، وتهيئة بيئة منفتحة ومنصفة وعادلة وغير تمييزية للتطور التكنولوجي، والبحث عن طاقات جديدة تحرك النمو الاقتصادي ما بعد الجائحة، والعمل سويا على تحقيق قفزات في التنمية.

التمسك بالتعايش المتناغم بين الإنسان والطبيعة. استكمال الحوكمة العالمية للبيئة ومواجهة تغير المناخ بنشاط وإقامة مجتمع الحياة المشتركة للإنسان والطبيعة، وتسريع الانتقال الى نمط أخضر ومنخفض الكربون لتحقيق التنمية للتعافي الأخضر. ستعمل الصين جاهدةً على بلوغ انبعاثات الكربون ذروتها قبل عام 2030 وتحقيق حياد الكربون قبل عام 2060. رغم أن ذلك يتطلب جهودا شاقة، غير أننا سنبذل كل ما في وسعنا لتحقيقه. ستعمل الصين على دعم الدول النامية الأخرى لتطوير الطاقة الخضراء والمنخفضة الكربون، ولا تقوم بتشييد مشاريع جديدة للطاقة الفحمية خارج البلاد.

التمسك بالتركيز على العمل. زيادة الاستثمار في الموارد التنموية، والتركيز على تعزيز التعاون في مجالات الحد من الفقر والأمن الغذائي ومكافحة الجائحة واللقاحات والتمويل التنموي وتغير المناخ والتنمية الخضراء والتحول الصناعي والاقتصاد الرقمي والترابط والتواصل، بالإضافة إلى الإسراع في تنفيذ أجندة الأمم المتحدة 2030 للتنمية المستدامة وإقامة مجتمع مستقبل مشترك للتنمية العالمية. قد أعلنت الصين عن تقديم 3 مليارات دولار أمريكي من المساعدات الدولية الإضافية في غضون الأعوام الثلاثة المقبلة، التي ستستخدم في دعم الدول النامية في مكافحة الجائحة وإنعاش التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ثالثا، لا بد لنا من تعزيز التضامن وتطبيق مفهوم العلاقات الدولية المتمثل في الاحترام المتبادل والتعاون والكسب المشترك. إن العالم الذي يسوده السلام والتنمية ينبغي أن يحتضن حضارات بأشكال مختلفة ويستوعب طرقا متنوعة صوب التحديث. إن الديمقراطية ليست حكرا على دولة بعينها، بل وهي حق لكافة شعوب العالم. وقد أثبتت مستجدات الأوضاع الدولية مرة أخرى أن التدخل العسكري الخارجي وما يسمى بالإصلاح الديمقراطي يسببان متاعب لا نهاية لها في المستقبل. علينا العمل على تكريس القيم المشتركة للبشرية المتمثلة في السلام والتنمية والإنصاف والعدالة والديمقراطية والحرية، مع نبذ الدوائر الضيقة واللعبة الصفرية.

على الرغم من أن وجود خلافات ونزاعات بين دول العالم لا مفر منه، غير أنه يجب إجراء الحوار والتعاون على أساس المساواة والاحترام المتبادل. إن نجاح دولة ما لا يعني الفشل الحتمي لدولة أخرى، إذ أن العالم يتسع للتقدم والتطور لمختلف الدول بشكل مشترك. وعلينا التمسك بالحوار والشمولية بدلا من المجابهة والإقصاء، وإقامة نوع جديد من العلاقات الدولية قائم على أساس الاحترام المتبادل والعدالة والإنصاف والتعاون والكسب المشترك، بما يوسع القواسم المشتركة للمصالح ويرسم أكبر دائرة متحدة المركز.

إن ما توارثه وتسعى إليه الأمة الصينية هو مفهوم السلام والوئام والانسجام. لم نقم في الماضي بغزو أو ظلم الآخرين أو السعي وراء الهيمنة، ولن نقوم بذلك في المستقبل. ظلت الصين دائما ممن يبني السلام العالمي ويسهم في التنمية العالمية ويحمي النظام الدولي ويقدم منتجات عامة، وستواصل الصين توفير فرص جديدة للعالم من خلال التنمية الصينية الجديدة.

رابعا، علينا استكمال الحوكمة العالمية وتنفيذ تعددية الأطراف الأصلية. لا توجد منظومة في العالم سوى المنظومة الدولية التي تكون الأمم المتحدة مركزا لها، ولا يوجد نظام سوى النظام الدولي المبني على القانون الدولي، ولا توجد قواعد سوى القواعد الأساسية للعلاقات الدولية التي يكون أساسها مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

يجب على الأمم المتحدة أن ترفع راية تعددية الأطراف الأصلية عاليا، وأن تكون منصة محورية تعمل عليها دول العالم على حماية الأمن العالمي وتقاسم نتائج التنمية وتقرير مصير العالم بشكل مشترك. ويجب عليها أن تسعى إلى حفظ استقرار النظام الدولي وزيادة التمثيل والأصوات للدول النامية الغفيرة في الشؤون الدولية، وأن تكون طليعة في الدفع بدمقرطة العلاقات الدولية وسيادة القانون فيها. ويجب عليها تعزيز العمل المتوازن في المجالات الرئيسية الثلاثة، أي الأمن والتنمية وحقوق الإنسان، ووضع جدول الأعمال المشترك والتركيز على المشاكل البارزة والاهتمام باتخاذ إجراءات، مما ينفذ تعهدات الأطراف المختلفة حول تعددية الأطراف على أرض الواقع.

يقف العالم مرة أخرى أمام مفترق طرق التاريخ. إني أؤمن بأن تيار السلام والتقدم والتنمية للبشرية لا يقاوم. لنعزز الثقة، ونعمل يدا بيد على مواجهة التهديدات والتحديات العالمية، وندفع بإقامة مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، ونقوم سويا ببناء عالم أجمل وأفضل!