التوجهات الجديدة للدبلوماسية الصينية: صين جديدة وعالم جديد

عن الكتاب
عرض: نهى نديم

 

“يعتبر التدخل الإبداعي النهج الأساسي للدبلوماسية الصينية الجديدة”

هذا ما طرحه “وانغ يي تشو” نائب عميد كلية العلاقات الدولية بجامعة بكين ونائب رئيس المعهد الصيني للعلاقات الدولية في كتابه “التوجهات الجديدة للدبلوماسية الصينية: صين جديدة وعالم جديد”، والذي صدر عن جامعة بكين عام 2011، وناقش خلاله مفهوم التدخل الإبداعي في الدبلوماسية الصينية الجديدة، وقدم عددًا من القضايا والشخصيات التي تجسده –وفقًا له- في تاريخ الممارسات الدبلوماسية الصينية منذ انتهاء الحرب الباردة، واستخلص من خلالها عددًا من المبادئ والمفاهيم المرتبطة بالتدخل الإبداعي وكيفية تطبيقه، وقدم أخيرًا عددًا من الافتراضات التصورية للتدخل الإبداعي ليمتد تأثيره إلى ممارسات المرحلة القادمة للدبلوماسية الصينية.

ويقصد “وانغ” بالتدخل الإبداعي: مجموعة الأفكار الدبلوماسية التي تهدف إلى تحفيز المشاركة الإيجابية في الشئون الدولية وتعزيز الحلول الإبداعية، مع تجنب المسار المألوف للقوى الكبرى في السعي إلى الهيمنة والتدخل لفرض النفوذ، وبما يتوافق مع ثقافة وتاريخ وحضارة الشرق والمفاهيم التي تتضمنها ومنها؛ “السعي لإيجاد نقاط مشتركة وترك نقاط الخلاف جانبًا” و”الحفاظ على علاقات متناغمة مع الآخرين مع الحفاظ على حق الاختلاف في وجهات النظر” و”الاعتدال وعدم المغالاة”، ذلك بالتزامن مع مرحلة النهوض السلمية للصين بأكملها، وإضفاء ملامح الطابع الصيني على السياسة الدولية والساحة الدبلوماسية تدريجيًا.

ثم طرح المؤلف عددًا من القضايا التي تحمل في ثناياها مفهوم التدخل الإبداعي ومعناه، وتجسد رؤية الدبلوماسيين الصينين وسعة خيالهم في التعامل مع الأزمات، وأبرزها قضية الوساطة في ميانمار، والتدخل في أزمة دارفور، ودور الدبلوماسية الصينية “فو ينغ” التي تُلقب بـ “سفيرة الأزمات”، وذلك باعتباره تدخل إبداعي فردي للدبلوماسيين الصينيين، كما ناقش عددًا من الممارسات الجماعية الناجحة للدبلوماسية الصينية، ومنها الحوار الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية واليابان والهند وتركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وأوكرانيا، والذي شمل قضايا مكافحة الإرهاب وحفظ السلام والرقابة على التسليح ومنع الانتشار النووي وأمن الطاقة، والتعاون في مجال الدفاع والأمن الإقليمي وإحكام السيطرة على مناطق الصراع، وإصلاح الأمم المتحدة وغيرها من القضايا ذات الاهتمام المشترك والتي تتجاوز نطاق العلاقات الثنائية. وفي الإطار ذاته، طرح المؤلف استراتيجيات التعامل مع الآسيان، والتخطيط لمضيق تايوان لإعادة توحيد الصين، والآلية النووية لكوريا الشمالية، والإجلاء الجماعي الذي قامت به الحكومة الصينية من ليبيا بين شهري فبراير ومارس من عام 2011، والذي يعتبر أكبر إجلاء جماعي واسع النطاق للمواطنين الصينيين في تاريخ جمهورية الصين الشعبية، وذلك باعتباره أهم الممارسات الجماعية الإبداعية للدبلوماسية الصينية.

ومن ثم، استخلص “وانغ” أهم المبادئ والمفاهيم الداعمة للتدخل الإبداعي، وجاء على رأسها “تجنُب الحوكمة العالمية” التي وضع أساسها الغرب والولايات المتحدة الأمريكية واليابان، والسعي بدلًا من ذلك إلى ترسيخ فكرة أن الصين دولة من دول العالم الثالث تختلف عن دول الغرب الرأسمالية، فالصين دولة اشتراكية يحكمها الحزب الشيوعي الصيني؛ لذا عليها أن تتدخل بطريقة إبداعية في السيطرة العالمية بما يحقق مصالحها الخارجية بعيدًا عن الأساليب التقليدية، ثم طرح المؤلف مفهوم “السيادة بشكلها الجديد” الذي يقوم على احترام حقوق وكرامة الهدف المقصود التدخل بشأنه، واحترام مبدأ سيادة الدول واحترام الإرادة الشعبية، وكذلك الاستخدام الحذر للقوة والحكم الرشيد.

ذلك فضلًا عن زيادة نسبة المساعدات الاستراتيجية الخارجية على حساب التعاقدات التجارية باعتبارها أحد أبرز أدوات التدخل الإبداعي، والقضاء على البيروقراطية التي تقف في وجه الحلول الإبداعية، والخضوع لإلهام نظرية التعقيد، واستخدام ما يمكن أن يُطلق عليه “تأثير الفراشة” التي يمكن أن تؤدي إلى إحداث تسونامي بحركة خفيفة، إضافةً إلى “العلاقات العامة الدولية” لبناء صورة الصين الدولية الجديدة وتعزيز الثقة المتبادلة، وتقسيم المصالح إلى درجات تبعًا لخصائصها لدفع التدخل الإبداعي وصياغة الاستراتيجيات الصينية الكبرى.

وفي الأخير، يقدم المؤلف عددًا من الافتراضات التصورية للتدخل الإبداعي، والتي يترجم بها بعض المعطيات التي يمكن للتدخل الإبداعي الدبلوماسي الصيني أن يتم من خلالها في المستقبل، ومنها عدم حصر الهيكل السياسي المتوسط بين البر الرئيسي للصين ومقاطعة تايوان في الشئون الداخلية ذات الصلة بالعلاقات بين الطرفين، بل التعامل معه على أنه مهمة استراتيجية مشتركة بين مختلف القطاعات التجارية والاقتصادية والعسكرية، وتولّي زمام الأمور في بحر الصين الجنوبي وتسوية قضايا النزاع السيادي في المنطقة عن طريق المباحاثات السلمية، وكذلك افتراض لحوار صيني أمريكي ياباني، تعمل الصين من خلاله على فك الارتباط المباشر بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، وخلق فجوة في هيكل التحالف الأمني الياباني الأمريكي وتأسيس آلية حوار أمني جديدة بين الأطراف الثلاثة.

ورغم أن بعض الافتراضات التي طرحها المؤلف تبتعد عن الممارسات الواقعية، إلا إنها تُنبأ بوجود “نقاط انطلاق” ذات معان رمزية ويمكن البناء عليها، وختامًا، يمكن القول أن الكتاب يمثل إسهامًا في كيفية تحول الصين إلى دولة تشارك فى تغيير أوضاع العالم عبر دبلوماسيتها الجديدة، من خلال إبراز عدد من الرؤى الموضوعية ذات الصلة بالدبلوماسية الصينية، والتأكيد على تعزيز التعاون الصيني الأفريقي باعتباره نقطة بداية قوية تنطلق منها الصين نحو المكانة الجديدة في الدبلوماسية العالمية والعلاقات الدولية.