التعاون الصيني الروسي وتغيير النظام الدولي

صحيح أن أوضاع أفغانستان كانت الشغلَ الشاغلَ لوسائل الإعلامِ الدوليةِ خلال الأسبوعين الماضيين، لكن هناك أمور مهمّة تحدثُ أيضاً في القسم الآخر من العالم لم تنل نصيبَها من تسليط الضوءِ، ولعلّ أبرزَها التدريبات الصينيّة-الروسية التي بدأت في التاسع من أغسطس وانتهت في الثالث عشر منه تحت عنوانِ “التعاون-2021”.

 

أما مقرُّ هذه التدريبات فقد كان في منطقةِ نينجشيا التي تتمتع بالحكم الذاتي في شمال غرب الصين -تقع على حدود شينجيانج التي لها حدود مع أفغانستان- وقد شارك في هذه التدريباتِ أكثر من عشرة آلاف مقاتل من البلدين تدربوا على أسلحة كثيرة تنوّعت بين الطائراتِ والدبّابات والمدرّعات، مع ضرورةِ التنويه إلى أنّ جزءاً كبيراً منها كان يُستخدم لأول مرة في التدريبات، ولقد بثّ الجيشان مقطعَ فيديو يوثّقُ إطلاقَ 265 طناً من الذخيرة خلال 45 دقيقة فقط، لتتجاوزَ بذلك قوة النيران فيها ما تحقق في تدريبات سابقة.

 

تتجلّى أهميةُ هذه التدريبات من خلال النقاطِ الآتية:

 

هي أول تدريباتٍ تنظّمُها الصين مع دولةٍ أخرى منذ ديسمبر 2019.

 

هي المرةُ الأولى التي يدخلُ فيها الجيش الروسي إلى قاعدة عسكرية صينيّة من أجل التدريب التكتيكي للأسلحة المختلَطة.

 

تمت هذه التدريباتُ في عمق المناطق الإستراتيجيّة النائية في الصين، الأمر الذي يوضّح حجمَ الثقة المتبادلَة بين البلدين.

 

من أهدافها تبادلُ الخبرات في مجالات قيادة القواتِ وإدراتِها، ونُظُم الاستطلاع والإنذارِ المبكر، وأمن المعلومات، والتعامل مع هجماتِ المعلومات الإلكترونية، ومكافحة الإرهاب.

 

تضمّنت لأول مرةٍ تدريبَ القوات الروسيّة على استخدام الأسلحةِ الصينية، فضلاً عن أنها جاءت في أعقابِ تدريبات عسكرية روسية مع طاجيكستان وأوزبكستان على الحدود الأفغانية.

 

– تُعتبر هذه التدريبات إحدى حلقاتِ التعاون الإستراتيجي والشراكةِ الشاملةِ بين البلدين، وهي ما وصفَته وزارة الدفاع الصينيّة بكونها “تُظهر قدرةَ البلدين على محاربة العناصر الإرهابية، والحفاظِ على السلام والأمن الإقليميين”.

 

الرسالة التي أوصلَتها هذه التدريباتُ هي العلاقات العميقة بين العملاق الاقتصادي الصيني والعملاق العسكري الروسي، ودورهما في معادلة تغيير النظام الدولي.

لا يمكن للمراقب الفصلُ بين توقيت تلك التدريبات والانسحاب الأميركي من أفغانستان إذ إنها تمّت إبّان الانسحابِ الأميركي من أفغانستان، ودخولِ طالبان إلى العاصمة كابول في الخامس عشر من أغسطس؛ أي بعد يومين من انتهاء التدريبات، الأمر الذي قد يغري منظماتٍ إرهابيةً للاستفادة من هذا التوقيت، لذا فقد جاءتِ التدريبات بمثابة رسالة استباقيّة للقوى الإقليمية والدولية مفادها أنّ القدراتِ الصينيّةَ والروسيةَ على استعداد تامّ إذا ما اقتضتِ الحاجةُ إلى التدخل ومنعِ تلك السيناريوهات الخطِرة من الحدوث، إضافة إلى الرسالة التي ستعيها واشنطن حول عمقِ العلاقات بين روسيا والصين، وحول جهودها الضائعة في زرع الفتنة والخلاف بينهما.

 

 

 

أسباب وتداعيات:

لم تُخفِ الصحافةُ ومراكزُ الأبحاث الروسيّة أنّ أحد أسبابِ هذه التدريبات هو مواجهةُ الضغوط الأميركية والغربية على موسكو، وقد بلغَت ذروتها حينما هدّد الرئيس بايدن في السابع والعشرين من يوليو الماضي بشنّ حرب شاملةٍ ضد روسيا والصين في حال استمرار الهجمات السيبرانية على المراكز الاقتصادية والأمنيةِ الحيوية في الولايات المتحدة.

وهذه الفكرة عبّر عنها أيضاً وزيرُ الدفاع الصيني في تصريحٍ عقب مباحثاته مع نظيره الروسي في يوليو 2021 حين أشار إلى أنّ لقاءاتِ التعاون العسكري بين روسيا والصين “لم تُعجِب بعضَ الدول، وهذا هو بالضبط جوهرُ لقائنا”.

 

مما لا شك فيه أنّ هذه التدريباتِ قد نجحت في إثارة مخاوف واشنطن وبعض العواصم الغربية؛ فهذه التدريباتُ التي تعكس مدى تطويرِ القدرات العملياتية العسكرية للبلدين تمثّل تهديداً لأميركا، خاصة بعد انسحابها من أفغانستان وعدم وجودِ قواعدَ عسكريةٍ بديلة لها في مناطقَ قريبةٍ، وهناك تهديد آخر لها يتمثّل في تطوير نُظُم الإنذار المبكر ضد الصواريخِ الباليستية الأميركية.

 

تحليلاتٌ كثيرة ظهرت في هذا الشأنِ نشرَتها كبريات الصحف، بل وصل الأمر ببعضها إلى الحديث عن احتمالِ قيام “تحالف أو اتحاد عسكري” بين البلدين، في حين رأت تحليلاتٌ أخرى أنّ هذا الاحتمال ضعيفٌ باعتبار أنه يحدُّ من استقلال كلٍّ من الدولتين في اتخاذ قراراتهما، وفي كل الأحوال لا يجبُ النظر إلى هذه التدريباتِ العسكريةِ على أنها حدثٌ منفصلٌ وإنما هي جزء من شبكة علاقات التعاون الصيني الروسي، وتشمل:

مجال التشاور السياسي، وتبنّي مواقفَ مشتركةٍ في القضايا العالمية والإقليمية، ونمو علاقات التبادل التجاري والاستثمار، والتعاون في مجال التكنولوجيا المتقدمةِ وبحوث الفضاء، والمشاركة في مناورات بحريّة منتظمَةٍ.

 

إذن، تدريبات “التعاون-2021” هي خطوةٌ تعكس جهودَ البلدين في تحدّي دور الولايات المتحدة بوصفها قطباً وحيداً، والعملِ على تغيير النظام الدولي من أجل أن يصبح متعددَ الأقطاب، ولا سيما أنّ الثقلَ النسبي لكل من البلدين قد ازداد، يرافقه نجاح كلٍّ منهما في توسيع العلاقات الخارجية مع أغلب دول العالم.