الانسحاب الأمريكي من أفغانستان…أكبر فوضى سياسية في القرن الواحد والعشرين

تحدثَ الفيلسوفُ الألماني فريدريك هيجل مرةً عن سخرية التاريخ من الذين يتحدّون القواعدَ التي تحكمُ مسيرتَه، لينتهي الأمر بهزيمتهم…حسناً، التاريخ يعيد نفسه اليوم وفق المفارقة الغريبة نفسها.

هاجمت القواتُ الأميركية أفغانستان عام 2001 بهدفِ إسقاط نظام حُكم طالبان، وها هي ذي الآن تنسحب وتُسلّمُ الحكم لـطالبان، بل إنّ انسحابَها جاء بالتنسيق مع الحركة التي تعهّدت بعدم الهجوم على القوات الأميركية إبّان الانسحاب، إضافة إلى تعهدِها بمحاربة تنظيمَي داعش والقاعدة وغيرِهما من التنظيمات الإرهابية.

هذا الحدثَ السياسيّ تمّ بفوضوية لا مثيلَ لها، الأمر الذي خلّفَ تداعياتٍ أمنيةً وجيوستراتيجية أثّرت على توازن القوى في غرب آسيا وداخل أفغانستان، وذلك من خلال النقاط الآتية:

1- التفاهم بين أمريكا وطالبان ليس وليدَ اللحظة وإنما جاء نتيجةَ تفاوضاتٍ مباشرة عام 2019 في الدوحة بين المبعوث الأميركي زلماي خليل زاد والمُلا عبد الغني برادر؛ مسؤول المكتب السياسي لحركة طالبان، انتهت بتوقيع اتفاقية بين الطرفين في 29 فبراير عام 2020، وذلك من دون مشاركة الحكومة الأفغانية الموالية لواشنطن.

واستمرّ التواصل بين الطرفين خلال الأيام التي أعقبت دخول طالبان إلى العاصمة الأفغانية في 15 أغسطس الماضي، إذ التقى وليام بيرنز؛ مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية مع برادر في كابول، وهو اللقاء الذي كشَفت عنه وكالة رويترز يوم 24 أغسطس الماضي.

2-على الرغم مما ذُكر فإن حركةَ طالبان لا تزال حتى الآن على قائمة المنظمات الإرهابيةِ في الولايات المتحدة وكثيرٍ من دول العالم، الأمر الذي أدى إلى طرح أسئلة عديدة وصعبة في أوساط الرأي العام الأميركي مثل:

– لماذا دخلنا أفغانستان؟

– ماذا حققنا بعد 20 عاماً من حرب كانت تكلفتُها 2.3 تريليون دولار، وموت 2400 ضابط وجندي أميركي، إضافة إلى موت 1100 ضابط وجندي من قوات الدول الحليفة أعضاء حلف الناتو؟

– لماذا جاء الانسحاب بهذا الشكل البائس الذي نقلَته شاشات التلفاز في كل دول العالم؟

 

 

3- تركيز بعض المحلّلين على اهتزاز الثقة في واشنطن، ليس فقط بين عشرات الآلاف من الأفغان الذين تعاونوا مع السُّلطات الأميركية دون أن تتمكن الطائراتُ الأميركية من اصطحابهم قبل الانتهاء من مهمّتها في 30 أغسطس، ولكن أيضاً بين عدد من حلفاء أميركا الأوروبيين، وفي مقدمتهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا الذين انتقدوا انفرادَ أميركا بتحديد موعد الانسحاب من أفغانستان دون تشاور معهم، لذلك طلب رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون تمديدَ الفترة التي يتم فيها الانسحاب حتى تتمكنَ الحكومة البريطانية من إجلاء كلِّ رعاياها والأفغان المتعاونين معها، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على اعتراف بريطانيا بعدم قدرتها على حماية مطار كابول في غياب القوات الأميركية.

كلّ هذا دفع بكثيرٍ من الكتّاب والمعلّقين إلى وصف المشهد الحالي بتعبيرات مثل: الفشل، والهزيمة، والتخلّي عن الشعب الأفغاني، وعن كون أميركا حليفاً لا يوثق به، ومدى تأثير ذلك على مكانتها ومصداقيتها بين دول العالم.

 

 

  

أما آثار الانسحاب الأميركي على بلدان أخرى من العالم فهي:

1-استقبلت دولةُ الإمارات آلافَ المهجّرين الأفغان الذين نقلَتهم الطائراتُ الأميركية كمحطة ترانزيت قبل نقلِهم مرة أخرى إلى الدول التي سوف تستضيفهم.

2- انتقل أعضاء السفارة الأميركية في كابول إلى الدوحة حيث يمارسون عملهم منها ريثما تستقر الأوضاع الأمنية في كابول.

3- تخوّفُ معظم الدول العربية -وبقية دول العالم- من أن تصبح أفغانستان تحت حُكم طالبان ملاذاً للتنظيمات الإرهابية المتطرّفة، ومصدراً للعمليات الإرهابية في دول أخرى، ومما يعزّزُ هذا التخوّفَ أيضاً انسحابُ القوات الأميركية من العراق مع نهاية هذا العام، الأمر الذي سيخلق فرصة لـداعش من أجل تنمية نشاطها الإرهابي.

هذه الأصداء والتداعيات -وغيرها كثير- ستستمر مع تبلورِ شكل نظام الحكم الجديد في أفغانستان بمعالمه التي سترسمها طالبان وسياساتها التي ستبنيها في الداخل والخارج، ومن الجدير بالذكر استثمار طالبان للموقف الراهن في إدارةِ حملة علاقات عامّة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي -وخاصة تويتر– تهدف إلى تغيير صورتها التي اتّسمت بالغِلظة والقسوة طوال فترة حكمها (1996-2001)، وذلك أملاً في كسبِ الاعتراف الدولي بالحكومة الجديدة، وفي الدعمِ الدولي لإعمار أفغانستان التي تُعتبر من أفقر دول العالم وأقلّها تنميةً.