أقلية الإيغور في الصين بين الواقع والاستثمار الغربي

اتهاماتٌ كثيرة تتبادلها الصين منذ سنوات مع الدول الغربية بشأن أقلية الإيغور التي تعيشُ في أقصى شمال غرب الصين في إقليم شينغيانغ، فالقادة الأميركيون والأوربيون ووسائل إعلام غربية يزعمون أنّ أقلية الإيغور تتعرضُ لعمليات “إبادة ممنهَجة” في حين يؤكدُ المسؤولون الصينيون على كذب هذه الادعاءات، وعلى “اندماج طوعي وكامل لمسلمي الإيغور في المجتمع الصيني”، دون أن يخلو الأمر من بعض “الجماعات المتطرفة” التي تبذل الصين جهوداً كبيرة لمكافحتها، وحماية الأمن القومي للبلاد.

 

لقد بدأت وسائل الإعلام الغربية -بتوجيه من مؤسسات رسمية في أغلبها- بإثارة قضية الإيغور منذ سنوات قليلة فحسب، وذلك على الرغم من مضيِّ عقود طويلة على سيادة الدولة الصينية على إقليم شينغيانغ، وعلى وجود المسلمين في الإقليم ومناطق أخرى من الصين، فالغاية إذن من هذه الحملات الإعلامية ضد الصين سياسية بالدرجة الأولى، إذ لا تزال المزاعم الغربية تتكرر منذ عام 2009 وحتى هذا اليوم.

 

ما حدث عام 2009 أنّه اشتعلت في الخامس من يوليو اضطراباتٌ عِرقية في عاصمة إقليم شينغيانغ (أورومتشي)، بين الإيغور وقومية الهان، وأسفرت عن سقوط أكثر من 150 قتيلاً و816 جريحاً، هذه الأحداث هي التي شكلت مقدمة لاستياء فئات من الإيغور من تدفق مهاجري الهان إلى الإقليم، إذ إن هذا سيؤدي فيما بعد إلى طمس ثقافة الإيغور إضافة إلى تقليل فرصهم في العمل والتعليم، وادّعى بعض ممثلي الإيغور أن إتنية الهان تهيمن على الحياة السياسية والاقتصادية في الإقليم.

 

 

ما هي مراكز التدريب المهني؟

أنشأت الحكومة الصينية هذه المراكز بغيةَ دمج الإيغور مع المجتمع الصيني، وذلك عقب انخراط عدد كبير منهم في حركات انفصالية متطرفة نفّذت عملياتٍ إرهابيةً ضد مدنيين في أنحاء متفرقة من الصين وفي شينغيانغ بشكل خاص، فقد شهد عام 2012 تنفيذَ أكثر من 190 هجوماً إرهابياً في الإقليم، لذا اتّخذتِ السلطاتُ تدابير جذريةً بعد سلسلةٍ من الاعتداءات الدامية؛ إذ قامت بنشر كاميرات وحواجز أمنية وأجهزة كشف المعادن، وأخذت بيانات بيومترية، ولعلّ أهمَّ إجراء هو إنشاء مراكز التدريب المهني للتصدي للتطرفِ الإسلامي، والنتيجة هي إعلان نائب رئيس شينغيانغ -وهو من الإيغور– أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أنه لم يُسجَّل أيُّ هجوم إرهابي في المنطقة منذ ثلاث سنواتٍ، وهذا يعدّ نجاحاً كبيراً لسياسة الحكومة الصينية في تأهيل السكان المسلمين.

 

طبعاً الغرب لديه دائماً منظور آخر للأمور؛ إذ تحدث العديد من السياسيين ووسائل الإعلام المؤثرة في الغرب عن القضايا المتعلقة بمسلمي شينغيانغ، مستخدمين وسائلَ مختلفةً لتوجيه اتهامات زائفة مثل الزعم بـ “إنشاء الصين معسكرات إعادة التعليم واحتجاز الملايين من مسلمي الإيغور“، و”فرض العمل القسري عليهم”، وحتى شنّ “الإبادة الثقافية” ضدهم.

وفي هذ السياق، كانت قد أصدرَت إدارةُ الرئيس الأميركي جو بايدن في بداية آذار الماضي وثيقةَ “التوجيه الإستراتيجي المؤقت لإستراتيجية الأمن القومي”، وهي وثيقة تتضمن توجهاتِ الإدارة الجديدة لوكالات الأمن القومي حتى تتمكن من العمل على مواجهة التحديات العالمية، وجاء في تفصيلِها للتحديات الصينية -في استغلال واضح للمزاعم السابقة- أنه يجب على الولايات المتحدة أن “تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية، بما في ذلك في هونغ كونغ وشينغيانغ والتيبت”.

واللافت أن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي اتهم الصينَ بقمع المسلمين وإبادتهم في شينغيانغ، وفرضَ عقوباتٍ على كيانات صينية ومسؤولين كذلك، هو من حرّضَ أتباعه على الهجوم على الكونغرس واحتلالِه للتعبير عن رفضه لنتائج الانتخابات الرئاسية التي هُزم فيها، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على فضيحة كبيرة للديمقراطية الأميركية التي لم يحترمها الرئيس نفسه.

ولا ننسى أيضاً الممارساتِ العنصريةَ للشرطة الأميركية التي تقوم على الدوام بقمع المواطنين لسود وقتلِهم، لا لشيء إلا للونِ بشرتهم في تمييز عنصري يذكّر بقرون من العبودية التي عرَفها أجداد هؤلاء المواطنين حين خُطفوا من أفريقيا ونُقلوا إلى الولايات المتحدة.

 

 

الرد الصيني على هذه الاتهامات:

رفض المسؤولون الصينيون الاتهاماتِ الغربيةَ التي تدّعي وجودَ معسكرات اعتقال أو حملات إبادة جماعية ضد الإيغور المسلمين، أو عمليات اغتصاب وقتل خارج القانون، أو احتجاز لحرية الأفراد الإيغور، أو تنفيذ خطط قسريّة لطمس هوية الإيغور وتذويبهم في المجتمع الصيني، وأكّد هؤلاء المسؤولون على مدى تسييس هذه الاتهامات، ورغبتِها المستميتة في كبح جماح تقدم الصين عالمياً على حساب النفوذ الغربي الآخذِ بالأفول.

 

وفي هذا الإطار يقول الباحث التشيكي أندريه فلتشيك -وهو مؤرخ وصحفي استقصائي وروائي- في مقالة مهمة حول قضية الإيغور إن الأهداف الحقيقية الكامنة وراء الحملة الغربية ضد الصين بشأن مسلمي الإيغور في شينغيانغ، هي تخريب مشروع طريق الحرير (الصيني) بواسطة المقاتلين الإيغور الذين سيعودون (أو ستتم إعادتهم) إلى الإقليم بعد هزيمة الجماعات الإرهابية التي التحقوا بها في سوريا، وذلك تحت عنوان “الكفاح من أجل أن ينال بلدهم الاستقلالَ الكاملَ عن الصين”.

 

نخلصُ في النهاية إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تسعى بشراسة للاحتفاظ بالهيمنة العالمية بشتى الوسائل والمزاعم، رافضةً تقاسم النفوذ مع بلدان أكثر إنسانية مثل الصين.